Man Of Ice By Tayseer Nazmi





خفقات، تضرب، بوضوح، وانتظام وقوة، في طبلة أذني اليمنى، جعلتني أستيقظ، متيقناً أنني لست في حلم. دقات ليست لساعتي اليدوية التي نادراً ما تُسمعْ، وعلى وجه الدقة، تكاتها، مقارنة بضربات ودقات منتظمة، خلتها في البدء لشرايين يدي اليمنى التي كانت لا تزال تحت رأسي. وضعت ساعدي الأيمن كي أتأكد، تحت صدري، من الجهة اليمنى، فلم تتوقف الضربات المنتظمة الواثقة التي لم أكن أسمع حولي غيرها رغم أن غرفة نومي محاذية لشارع فرعي في حي قطنة من العاصمة. أجلت النظر في غرفة النوم، واستوضحت من الهاتف النقال عن أية مكالمة قد أكون تلقيتها أثناء غيبوبتي فلم أجد ما هو جديد على حياتي غير هذا الهدوء الموات الذي يلف كل شيء حول المنزل المغلق النوافذ منذ زمن طويل. وحالما نهضت من فراشي لفحتني برودة غير عادية لكأن المنزل تحول خلال فترة نومي إلى ثلاجة كبيرة للموتى ومع ذلك دلفت إلى الصالة وفتحت النافذة المطلة على الحديقة فهالني اختفاء الألوان والمزروعات تحت حلة شديدة البياض، ناصعة النعومة، ومنتظمة الاستواء. ليس بها ما يشوه سطح ثلجها الناعم مثل آثار أقدام لرائح أو غادي غير الهدوء المطبق الذي جعلني أعتقد للوهلة الأولى أن من يقطنون الكرة الأرضية إما أن يكونوا فعلاً غادروها لكوكب المريخ، أو أن الشمس لفظت آخر أنفاسها فانقطع تتابع الليل والنهار وتراكمت الثلوج خلال فترة النوم التي لم أستطع تحديدها ولا تذكر أسبابها سوى أنها كانت غير اعتيادية.
الأجواء في الخارج لا توحي بليل ولا نهار. فالثلوج تكسو كل شيء ببياضها الناصع شديد الإضاءة.
* * *
والسماء في الأعالي رمادية. والشجر لم يعد أخضر لكنه صامت وحزين. والعصافير اختفت. والمارة والسيارات والشارع والجيران وصوت بعض القنوات الفضائية وتكات الساعة على الحائط والهواتف والمذياع وضوء الشارع وحتى الخفقات التي كنت قبل قليل غير قادر على تحديد مصدرها. ولما كان كل هذا غير سيء بالنسبة لي فقد فكرت بهذه النهاية الإلهية للكون من حولي وبصورة أخرى للجنة السماوية الموعودة. فهل أكون قّدْ مِتُ حقاً منذ زمن الغبار والآن أُبعث حياً في جنة لم أتوقعها على هذه الصورة؟ إنها نعمة غير متوقعة في الحقيقة، أن تصحو ذات يوم، فتجد أنك تملك كل شيء ولا شيء. ولما تأملت الموقف الذي أنا فيه الآن وفكرت بأبسط احتياجاتي وأهمها، مع قرب نفاذ السجائر، حيث لم يبق في العلبة منها سوى تسع سجائر، بدأت أستشعر الخطر. فإذا كان كل من حولي وكل شيء قد توقف عن الحياة أو غادرها لأسباب لم أدركها حتى الآن، فمن سيقوم ببيع علب السجائر؟ وما لزوم الدنانير الخمسة الآن في جيبي؟ لكن الأمر عندما تفحصته ملياً بأسباب منطقية لم يكن قاتماً إلى هذا الحد. بل متوقف على الاحتمالات. فقط عليَّ الآن أن أخرج من هذه العزلة لعلي أعثر على دكان لم يستطع صاحبه تدبر أمر إقفاله بإحكام. فآخذ حاجتي مما يكفيني بهذه الخمسة دنانير كاملة أضعها في صندوق الكاشير إذا كان قد تُرك مفتوحاً أو في فاترينة السجائر مكان العلب التي أشتريها تجنباً لأية مشكلة أو تهمة قد يوجهها لي أي شرطي ما زال على قيد الحياة وما زال يمارس مهنته بانتظار راتب آخر الشهر.
وما أن أدرت مفتاح الباب الخارجي مُغِلقاً حتى هالني أن الجو في الخارج أكثر دفئاً من منزلي رغم أن قدميّ غاصتا في الثلج حد الركبتين إلا قليلاً دون أن أستشعر ثلوجة تُذكَرْ سوى من النوافذ المسدلة في الطابق العلوي الذي ـ كان ـ يقيم به صاحب المبنى الذي لا تتبين إن كان في الداخل أم مغادراً حتى في الأحوال العادية. مضيت مطمئناً في الشارع نحو السوبر ماركت لعلي أجده مفتوحاً فأستوضح الأخبار ممن فيه لكنه كان مغلقاً محكم الإغلاق بالأقفال فمضيت إلى غيره في مدينة باتت تخصني وحدي وفي هدوء يخصني وحدي وثلوج تتهاطل من فوقي ومن تحتي تُفَرقِشْ بين قدمي وتتكسّر تاركة ورائي آثاراً لخطوات الطريق لن يسلكها من بعدي أحد وقد غادر الجميع نحو ما لا أعلم من كواكب. كان  لإغلاق الشباب الذين أعرفهم لمحلهم بإحكام دليل خير بأنهم عائدون وإلا ما لزوم الإغلاق على عدة براميل صغيرة لصنع المعسل وبضع أراجيل وفاترينة سجائر إن هم قد غادروا إلى فلسطين نهائياً؟ غير أنني طردت هذا الاحتمال من ذهني حالما عثرت على ما اعتقدت أنه مجرد كومة ثلج عملاقة في منتصف الشارع وبابها الأمامي شبه مشقوق تساقط عنه الثلج حالما فتحته لأجد السائق وفي فمه سيجارة لم يتمكن من إشعالها وبجانبه علبة سجائر فاخرة متجمداً وعلى وشك أن يقول شيئاً لم يتمكن من نطقه ربما بسبب انفجار مفاعل ديمونة أو ضرب المفاعل النووي الإيراني أو ما شابه من حماقات هي آخر ما أذكره من نشرات الأخبار قبل نومي. «رحمة الله عليك» قلت محدثاً نفسي ووضعت له الخمسة دنانير في يده وأشعلت له سيجارته وتناولت علبة سجائره وأغلقت عليه باب سيارته بإحكام. قلت لنفسي كي تشعر بعدم العزلة: «لقد فعلهاإذن السيد بوش» فهل يعقل أن كل هذه الثلوج بفعل برودة نووية؟ أم أن الله رحم عباده فأنهى اللعبة بقدرته عز وجل؟ وقرعت نفسي رغم ذلك، وحمّلتها مسؤولية النوم الطويل. لقد نمت بفعل اليأس أكثر مما يجب فتعذّر شحن الموبايل وتعذّر الاتصال بي في لحظات انتهـاء الحيـاة على الكوكب. وتذكّرت الآية الكريمة التي تقول: ﴿ولا تقنطوا من رحمة الله﴾، وها هو الله رحـم فأيقظني أو بعثني حياً كي يمنحني ـ وأنا الماركسي التروتسكي العنيد ـ الفرصة كي أؤمن بقدرته عز وجل وسعة رحمته. فهذا الثلج الذي يغمر الأرض بما رحبت الآن حولي ما هو إلا برداً وسلاماً وقد أفنى من عليه من كل شيء حي ولم يُفْنِهِ وهو قادر على ذلك بعد انتهاء الشمس وتلاشيها. ما لزوم الساعات الآن وما لزوم الساتلايت والسيارات والزوجات والعملات. لكنني تنبهت للخطر المحدق بي إذا ما انتهت علبة السجائر بحوزتي الآن. ثم خففت من هذا الخطر عندما فكرت قليلاً بكوني الكائن الوحيد الآن على هذا الكوكب وأنني أصبحت زعيماً للعالم ثم ضحكت من سخافة الفكرة لأنني الشعب الوحيد ايضاً ممن بقي فوقه، وإذا طال هذا الأمر فلن تعود بعد اليوم هنالك أية معضلة تسمى قضية فلسطين، اللهم إلا إذا كانت قدرته عز وجل نقلت أطراف المشكلة إلى المريخ الذي بتّ مشفقاً عليه الآن بعد أن حرموه أخيراً من عزلته وهدوئه فانتقل إليه السيد بوش قبل انتهاء ولايته ليقول لسكانه الجدد: لم يكن من سبيل أمامي سوى أن أسحب القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان ودول الخليج إلى المريخ قبل أن يصل إليه الإرهاب فقد تبيّن أن النفط الموجود على كوكب الأرض لن يكفينا لتسديد ديوننا ولن يكفي البشرية سوى لسنوات معدودة. وبالطبع لن يحدث مستمعيه عن إنشاء دولة فلسطينية لأن هذا كله بات من الماضي والمريخ أولاً وأخيراً لمن وصلوا إليه أولاً دونما وجود هنود حمر يقطنونه من قبل لتتهم بهم أمريكا وحضارتها الإمبريالية. أيضاً وبخت نفسي عند هذه النقطة، فالأخوة والرفاق في المريخ سوف يقولون إن تيسير تخاذل أو تساقط ولم ينهض للنضال من أجل القضية الفلسطينية وهكذا قررت أن أعد العدة وأن أخلي البيت المستأجر وأسلم مفاتيحه قبل الذهاب مشياً على الأقدام إلى فلسطين. فهل يعقل أن ترحل أمريكا وتفنى الحياة دون أن تأخذ معها تلك الأمريكا إسرائيل حيثما ذهبت؟ وهل يعقل أن الحاخامات لم يصدروا فتوى سريعة من «وكيل العقارات الأكبر» بأن أرض المريخ باتت «أراض مستردة»؟ الأرجح، قلت لنفسي، أَنهم تركوا «التلمود» وراءهم وغادروا لتأليف تلمود بابلي جديد حيث رحلوا والأرجح أنهم أخذوا معهم بعض الفلسطينيين لتبقى المشكلة قائمة. فعدم وجود الغوييم ينفي مبرر وجودهم. ومع ذلك تظل فكرة الذهاب مشياً على الأقدام قائمة إلى فلسطين، ليس كل فلسطين بالطبع، فما حاجتي لها وغرفة واحدة تكفيني وتفيض عليَّ في هذا الشتاء الكوني الشاسع!
عدت لمنزلي دونما قلق يذكر سوى من وجود صاحب الملك الذي ربما يعتبرني متأخراً في دفع الإيجار إذا لم ينتبه جيداً لوضعي الشيك الشهري في مظروف على بوابة مسكنه بشكل لافت فلربما حتى إذا استلمه ووجد البنك مغلقاً سواء بسبب تراكم الثلوج أو بسبب كارثة كونية يحملني مسؤولية إعطائه شيكاً غير قابل للصرف، لكنني سرعان ما سخرت من الفكرة، ففي هذه الحالة، وليس غيرنا فوق الكرة الأرضية ربما تتسع رؤيته وحكمته بأن الكون سوف يتسع لإثنين، الأول في الثمانين من عمره والثاني على مشارف الستين، وحيث لا وجود الآن للشرطة أوالمحاكم أو المحامين أو القضاة فإن قرر طردي وهو حتماً فاعل، غادرت إلى مسقط رأسي في سيلة الظهر دون أن يغادر هو إلى دمشق. فقد كان آخر ما سمعته قبل نومتي الطويلة أن جماعة 14 آذار غير راغبين في أن تذهب فيروز إلى دمشق ـ عاصمة الثقافة العربية ـ والجار العزيز دون تدخل من هؤلاء ولا من أولئك غير راغب في حسن الختام في دمشق مسقط رأسه إلا إذا كانت لديه معلومة لم أطلع عليها  بعد، بأن مصير من غادروا أن يعودوا ليفتشوا عن سكن وعن مأوى وأن الوضع في دمشق سوف يتحوّل إلى أسوء مما دفعه أساساً لمغادرتها ونيل الجنسية الأردنية. وفي هذه الحالة تكون دمشق وسيلة الظهر وعموم فلسطين الجغرافية صالحة لي أو لأمثالي على الأقل. لكنني وبعد أن تأملت ملياً الستائر المسدلة، وعدم وجود أية حركة في الطابق العلوي من تلك الفيلة البائسة حيث أسكن في التسوية السفلية منها، أيقنت حقاً أن حدثاً كونياً قد وقع وأنني الناجي الوحيد من محارق البشرية. أدرت المفتاح فاستجاب وكانت برودة المنزل وبرودة الخارج متساوية لا فرق بينهما ولم أستطع أنا أيضاً سوى أن أدير ا لمفتاح ثانية بقفل الباب مغلقاً إياه بحكم العادة والركون إلى العزلة التي أراني اليوم كسبت رهانها المضيء كما لم يكسبه أي ثور من الثيران المتناطحة في قصر العدل على المال والحسابات وقوانين الربح والخسارة وأدوات المحامين وقرارات الشطارة. ومع ذلك ظلّت فكرة الموت الجماعي، أو الرحيل الجماعي مستعصية على إدراك حواسي وعقلي. فأن تصحو فجأة لتجد أنك دونما زمن ودونما أخبار ودونما شمس ودونما عمل ودونما دقة على الباب أو على الهاتف ودونما ليل ودونما نهار لأمر يصعب على الفهم وفيه المرء يحار.
* * *
لم أشغل نفسي بما يدور حولي في هذا الكون أكثر مما شغلت من الزمن الذي مضى ليفضي إلى كل هذاالثلج. ولو وضع كائن ما في وضعي الحالي ورأى ما رأيت لصعق فوراً. فهل هذه هبة منه عز وجل لكائن حسيب ورقيب على نفسه بفعل التربية الذاتية والتعوّد؟ إن كانت، فهي متوقعة ولم تدهشني رغم مفاجأة التوقيت. لذلك وجدت نفسي مع علبة من السجائر وكوباً من الشاي البارد أعيد قراءة كتاب إسرائيل شاحاك: «وطأة 3000 عام»... فلكم أحترمه وأجلّه هذا الإسرائيل شاحاك الذي لا أعلم اليوم إن كان وقد ناهز الخامسة والثمانين من عمره، بحسب التاريخ الذي نمت به آخر مرة ما زال على قيد الحياة أم أنه ما زال حسب أكذوبة «واشنطن بوست» متوفى منذ عام 1980م. فالكتاب الذي اليوم أقرأ مكتوب في آب عام 1993 عندما كنت سجيناً في سجن بيرين على أطراف الزرقاء. وقبل هذا التاريخ بسنوات عشر أظن أنني كنت عاكفاً على ترجمة كتاب آخر للفلسطيني فواز تركي، وكلاهما له معزة خاصة لدي. وبعد أن تحول كل ماء الكون إلى ثلج ناصع مشع البياض يليق بمعجب مؤمن مثلي وقد قرأ سفر التكوين أن يكرس وقته اليوم لرثاء ما كان بعد أن وصلنا إلى ما سوف يكون. ثلج ثلج ثلج فما عاد هناك ليل ترتعش صفحة مائه رعشة التكوين فيكون الخلق الأول للحياة. وما عادت للشجر المعطي الصامت شمس كي تحيا الوردة ويفوح منها العبير. ثلج ثلج ثلج. جمدت الكائنات وأخلدت للصمت.
قال الله للمؤمنين جميعاً: كونوا ثلجاً كي أراكم بناصع طهركم وبياضكم الأول الأشد إنارة من أكفانكم. وقال الله للمؤمنين وللملحدين جميعاً: ثلجاً كونوا للحياة الجديدة أنصع من بياض ثياب العروس. ثلج ثلج ثلج لا يذوب ولا يذوي، لا يبطن ولا يخفي، ولا يضمر إلا الوعد. برد برد برد يميت الشهوات والملذات ويمنح كل قلب بهجة الدهشة الأولى والدفء الذاتي من القلب. أدركت الآن أن الخافق الأول قلبي. وأن من دق بقوة وانتظام ووضوح ليُسمعني، لم يكن هذا الفجر وما هو بفجر. ولا هذا المساء وما هو بمساء، لم يكن سوى قلبي أنا الذي خدمني ستة وخمسين عاماً دون أجر، والذي رغم الإهمال وسوء الحال ما خذلني، قلب صغير رغم أن الرأس اشتعل ثلجاً ظل رغم الجلطة الأولى ـ أيلول 1993 ـ فتياً يناضل وحده وفتياً رغم تدخين ما يناهز الأربعين يومياً من السجائر يعمل دون رعاية  بدأب كما يليق بسنديانة. فهل وصل قلبي هذه الساعات إلى المعجزة أم أنه عز وجل يريني من آياته آية ومن عفوه سماحة كي أعيد قراءة 3000 عام كما كتبها رفيقي الإنسان بغض النظر عن مسميات الأديان أو احتكار الأنبياء والرسل واضطهاد الأغيار. ومع ذلك، كنت أقرأ، أسجل الملاحظات، أمتحن الذاكرة ، وأصاب بنوبة من التفكه والضحك على العالم خارج عزلتي. فمما خطر ببالي وراود خيالي المشاهد التالية، خاصة بعد المشهد الأول الذي تحصلت منه على علبة السجائر:

ماذا لو؟

ثلج ثلج ثلج فأمثل بين يدي الآن ولا تتأخر.
سأمثل واثقاً مبتسماً بعد زوال ما كان يبعث على أعلى القهقهات. ثلج سؤالي الأول. دِفء يكون الجواب. لماذا سلبت ميتاً علبة سجائره؟ أعطيته ما يحتاج قبل أن تمتد يدي على سجائره الفاخرة. ودفعت له، إن هو عاد، كل ما أملك من نقود. ثلج ثلج سؤالي الثاني. يهودي أرثوذكسي أنت؟ بل ماركسي تروتسكي استخدمت ما وهبت من عقل فإذا بي ضد قبح الرأسمالية وبشاعة المجمع الصناعي «العسكري» واستخدمت ما وهبت من القلب فإذا بي تروتسكي النبض والإدراك. لكنك مارست سلوكاً تلمودياً بابلياً بعدم إنقاذك لحياة إنسان اعتبرته دون علم من الأغيار. باسماً أقول: أنه عاش الدفء بما يملك ومنحته ناراً لم يبلغها، وعشت أنا الدفء بما يخفق فاعتدت أن أحرق وأحترق ليس بأكثر من سيجارة، وهو كذلك وجدته ميتاً متجمداً بسيارة، ولو أنه تصادف أن كان حياً يسعى ما كنت أظن أنه سيتوقف لي بإشارة، ولو عاد إلى الحياة ثانية لما رضي بأضعاف ثمن العلبة الذي يبصره بين يديه ولاعتبر رفع الأسعار في هكذا ظروف شطارة. ثلج ثلج ثلج فاذهب إنك لمؤمن بكل الأديان التي أنزلت لأجل الإنسان ولتبق منزوياً في عزلتك بعيداً عن كل الأوثان. بوركت، بوركت أن جئتني واثقاً مبتسماً فلا تشعل اليوم ناراً فأنت الثلجُ والنارُ.
ماذا لو!
عجبت فعلاً من عاداتي، ومن تحليلاتي، فقد كنت في ما مضى من دهشات، تخرجني عن السائد والمألوف، أشتعل حماساً للمعرفة. حيث هي الوحيدة التي تجعلني أتفهم في سياق علمي منطق وتسلسل الأحداث وصولاً للواقعة، تماماً كما هي معادلات الكيمياء التي جهدت كي أحبها هي وعلوم الرياضيات، فلو أحببتهما لكنت السباق دون غيري من حيث الأحقية لحل القضية الفلسطينية حلاً مريخياً. وأول الدهشات كانت استيقاظي المبكر على حرب الأيام الستة حين استراحت إسرائيل في يومها السابع على هضبة الجولان وسيناء وكامل الضفة الغربية في ما يعرف لدى حاخاماتها بالأراضي «المستردة» فعملت بكدح ذهني فذ طيلة سنواتها التالية لتفهم أسباب ومنطق الهزيمة. وبالمثل يوم استيقظت على رنات الهاتف كي تطلب مني زميلة في العمل أن أنظر فقط من النافذة لأرى الدبابات العراقية وهي تمخر الإسفلت من تحتي في الشارع الرئيسي للفروانية. أما أن تنقطع عني كل وسائل المعرفة من صحف ومذياع وتلفاز وحتى انترنت وأتكيف تماماً مع كل هذا لأهرع فقط لقراءة شاحاك مجدداً فهذا ما لا يخطر حقاً ببال. فكل هذا الثلج لي وكل هذا الهدوء والموات دون أن أكترث أو حتى استغل فرصة نهاية الحياة وفوزي بموقع سيد البلدان قاطبة دون عباد أسودُ أو أتسيد عليهم فهذا حقاً مُستهجن، بل ما هو مُستغرب حقاً أن أطرد كل فكرة تدعوني للخروج من هذا المكمن ولم أكتشف كم فعلت بي العزلة من قوة بأس في التصوف إلا الآن، بل وكم أنا غير مبالٍ إلا الآن. فقد كان بإمكاني التجوال أكثر في العاصمة، وزيارة السجن فيها لإخراج المساجين المساكين الذين لن يعلمهم أحد بما يجري خارج أسوار السجن أن يدركون كيف أصبحوا الآن أحراراً بفعل الكارثة أو بفعل رحيل أهل هذا الكوكب بقدرته عز وجل إلى كوكب آخر ليعيثوا فيه فساداً بعد أن فسدت الأرض وأتلفوها وبعد أن نهبت أمريكا حتى الشمس.. بل بإمكاني أن أتبع الطرق القانونية وأزور قصر العدل، فليس من العدل أن تضرب الأرض بالقنابل النووية ويحرم على رجل مثلي مراجعة ملفات قضايا تُجددُ  إعادة المحاكمة فيها لإحقاق الحق والعدل، بل وسوف توجه لي الـ  UNCAC كتاب شكر من المريخ كوني تمكنت أخيراً من محاربة الفساد في الدول النامية، الكتاب الذي لن أشكرها عليه بالمقابل لأنه لم يعد اليوم لا ثمة دول نامية ولا نائمة ولا مستبدة ولا مستبد بها بعد انغمار واندثار كل شيء تحت الثلج. فلكم نادت منظمات وهيئات دولية وإنسانية وناشدت أن رأفة يا أمريكا بهذا الكوكب سواء بعد ثقب الأوزون أو تحكم حاخامات التلمود البابلي بمصائر الشعوب ونهايات الطرق والدروب أو انقضاض الرئيس بوش على نفط بحر قزوين ونفط العراق، وعجبت من نفسي أكثر عندما أغلقت باب المنزل داخلاً بطواعية إلى هذا الصقيع دون ان أفكر ولو قليلاً بالرفيق فيدل كاسترو وشافيز وأحمدي نجاد أو أن أطمئن عليهم على الأقل أو أبارك لهم إن كان بوش وأزلامه فقط هم من هربوا إلى المريخ بعد ان ثبت أن شعوب الأرض قاطبة بما فيها شعوبهم سوف تتمكن من محاسبتهم لما أوصلوها إليه من حال. وأيقنت بعد لوم وجلد الذات أنني في النهاية أسلك سلوك رجل ميت أو يائس تماماً ولكن لست مع كل ذلك انهزامي أو تنقصني الشجاعة، أجل، أعرف أنه ينقصني الأمل. ولكن بعد ماذا؟ كل هذا الثلج لي؟ ما زال الثلج يتساقط ويتساقط ينثال أنثيالاً غزيراً هذا الثلج ويرتفع. اقرأ وأنظر إليه بين الفينة والأخرى وإلى أقراص الأسبرين مميع الدم أنظر  إلى ما تبقى من ماء. وفي النهاية لا حول ولا قوة لي سوى أن أريحه هذا القلب بإرادة مني وببادرة احترام متبادل تجاهه هذا المسكين الذي يعمل ليلاً نهاراً منذ 56 عاماً ولم يطلب النوم أو الصمت بمثل ما أنا فاعل. في النهاية لسوف أنام من التعب أنا أيضاً حتى وإن فقدت بوصلة الليل والنهار وعقارب الساعة قد باتت تدور بمجانية وعبثية لا مثيل لها. الآن... الآن أملك كل شيء ولا شيء. الآن وليس قبل الآن أنا في جنة الثلج الثلج الأبيض. الآن أدرك أن هذا الثلج كل الثلج حولي كفني الذي تهبه الطبيعة أو الكارثة لي. وما عليَّ سوى .. لحظات لن أتوقف فيها عن الكتابة تماماً كما لم يتوقف سائق السيارة المسكين عن قيادة سيارته باتجاه عبدون. الآن ليس بوسعي إلا أن أسيطر على الزمن بعد أن كان هو السيد المستبد. سأقرأ وساكتب حتى النهاية، ومن الطبيعي أن أنام في النهاية، ولكن دون هتافات من حولي أو عويل. سأنام وحولي ثلج أتمنى ألا يذوب، ألا يذوب إلا ببزوغ شمس جديدة.


القبلة الأخيرة

ما أن شرعت بقراءة الفصل الأول من كتاب شاحاك حتى تذكرت القراءة الأولى له ولم أعد أجد في المتابعة متعة وكشوفات القراءة البكر التي ظننت أن ثلج النسيان قد دثرها تماماً ، لذلك قررت أن أذهب لفراشي عن طيب خاطر فوضعت فوق جسدي كل ما لدي من أغطية وتركت رأسي مكشوفاً مخافة الاختناق لا من صوبة جازولين لم أعد أمتلكها ولا من أية وسيلة للتدفئة بل من جو الغرفة التي أظن أنني أستهلكت كل ما به من أوكسجين. كنت على وشك المغادرة أنا أيضاً عندما لامس خيط رفيع قصبة أنفي فطردته. وبعد دقائق عاود الكرة دون أي مسبب من البطانية التي لم أحركها فأدركت من تكرار هذه الملابسات أن ثمة مخلوق آخر يشاركني البقاء وهو العنكبوت الذي يعمل منذ شهور بدأب على بناء بيته. وعلى الفور عكست وضع رأسي إلى الجهة المقابلة وتحديداً باتجاه القبلة التي أرشد بعض من يطلبون الصلاة لدى زيارتهم لي، لها. فأرحت نفسي وتركت المجال رحباً لها تلك العنكبوت كي تؤثث بيتها كما تشاء دون أي تخريب مني ما كنت في السابق أقصده لو توصلت لمعرفة أن الخيط خيطها وليس من  اللحاف فوقي. وظل الجو صقيعاً حتى تحت الغطاء الملفع هو الآخر بأغطية الشتاء والصيف. ما من سبيل للنوم، هذا ما أدركته، فكيف لمثلي أن ينام مرهق الضمير بما سبق وأن خر به من دأب تلك العنكبوت؟ فجأة تذكرت الشجرة في باحة رقعة الحديقة التي يطل عليها الباب الخلفي للمنزل من جهة المطبخ. ماذا حل بها يا ترى وهل ستنام الليلة مغطاة بالثلوج هي أيضاً؟ نهضت فوراً وفتحت النافذة المطلة عليها لأجدها تبكي بصمت. يا الله ما أصبر الشجر وما أعظمه. لم أشاهد في حياتي شجرة تبكي إلا الآن. ومن الثلج المتراكم فوق فروعها وأغصانها تنحدر الدموع القليلة. كفكفت ذلك بحنو يدي مزيحاً الكتل البيضاء عنها. بل وداعبتها قليلاً كي أبعث فيها الأمل مجداداً بأن حلة النوار قادمة إليكِ في الربيع المقبل فعلام البكاء! ولحظتذاك كنت قد نسيتُ بفعل التعود أن الشمس انتهت وأن الشتاء النووي دائم وأن من أكلوا ثمارها واعتنوا بها قد غادروا هم أيضاً لا أعلم إلى أين. وفعلاً تحسنت حالتها النفسية وأخلدت للصمت بعد زوال معظم الثلوج فوقها. عند ذاك أيضاً، ورغم مرور ثلاثة أيام على وفاة الدكتور. وعدم تمكني من الذهاب لا للجنازة في كنسية الروم الكاثوليك ولا لبيت العزاء، عند ذاك قلت لنفسي: ليس بالضرورة أن تموت الأشجار واقفة، بل ليس بالضرورة أصلاً أن تموت لولا اجتثاث الآخرين لها. أو نظراً لاستخدام الفقراء لها للتدفئة. فالشجر لا يموت إلا بموت الإنسانية، بل ربما هو الأبقى والأكثر خلوداً. لم أطل التأمل حالما انتهيت، قبلتها عند الساق كما لا تقبل أنثى آملاً منها أن تكون أحست بي مثلما أحس بمعاناتها وآملاً أن تفهم أنها الكائن النباتي الأخير الباقي مؤنساً لعزلتي في هذا الفضاء المليء بالثلج حتى نهايات المجرة وآملاً من لقاءنا في هذه اللحظات أن يكون كلانا قد قام بالتعزية للآخر بالمرحومة الشمس التي رغم كل ما بذلته للإنسانية لم يعد يتذكرها أحد الآن إلا بفعل الحاجة. أما السيدة المحترمة أنثى العنكبوت فلا دخل لها بالعلاقة بيننا، بل هذه سنة الحياة. الحياة لديها أن تعيش عازبة وقاتلة في نفس الوقت لمن كان ذكرها، الذكر، والعريس ومع ذلك أريد أن أنام بهدوء، لا أن أنام قاتلاً لو أنني فكرت بهدم بيتها وملاحقتها و«سحقها». لا أدري بالطبع على أي دين أنام، بقدر ما أنا مؤمن وبيقين من صحة أفكاري وممارساتي. فها قد وقع ما حذرت منه طوال حياتي، وما أدركته بفضل العلم وليس أي دين بالضرورة، ومع ذلك وهبني الخالق كل هذا الثلج كي أكونه ويكونني، كي يكون هو نهايتي ولست أنا الفرد البسيط نهايته، وعلى ذكرى الشجرة أغادر وعلى ذكرى القبلة أنام
قال هاجسي:
كل افتراضاتك خاطئة، فلماذا لا تفترض العكس، أي أن الكوكب تحول إلى ما يشبه المريخ أو أي كوكب نأى بنفسه مثلك عن الشمس وعن المرأة وعن الأحزاب وعن الإمبريالية وعن الشيوعية والأديان؟ فقلت: ربما، فآخر ما أذكره عن صديق متدين لي ذات صلاة جمعة أن قلت له: (معتذراً عن تحقيق أمنية له طالما راودته بحسن نية تجاهي أن يهديني الله فنذهب سوياً للصلاة المباركة) «أدْعُ لي في صلاتك!» فقال فوراً: «ربنا يأخذك.» ورغم التأخير الإلهي في الاستجابة لدعوته، أفكر الآن أيضاً أنه ربما استجاب عز وجل فأرسل بي إلى هذا الكوكب وحيداً فقال هاجسي مقاطعاً:
ولم ينزل عليك الثلج في الشوارع مخافة أن يذوب الثلج وتبتل من عاليك لأخمص قدميك بالماء كما حدث لك في الفيضان الذي غمرك ذات شتاء، فلم تمت بحكمة من لدنه كي تؤوب. في تلك اللحظات كانت زمجرة الريح قد بدأت تعصف في الخارج، عواصف دون رعد ودون برق ودون ماء. فقط أعاصير تهب على ما يبدو من كل الجهات بالشجرة في الخارج التي تقاوم الآن ببسالة منقطعة النظير كي لا تنام غير واقفة أو تحتضر، إن هي لم تقاوم، بمنأى عن جذورها. يا إلهي، كم سمعتها صغيراً عبارة «يقصف عمرك» وفي البدء كانت بفعل الإعجاب ثم ما لبث أن تحول ذلك الإعجاب إلى اعتزاز قبل أن تحوله الأمكنة إلى ضغينة فقبل أن أذهب إلى قطر من أجل فرصة عمل كنت أنا البادئ بقصفها تلك الفرصة. فجأة صوت انهيار في الخارج، حدقت في النافذة فإذا بالبيت المقابل قد سوي بالأرض من ثقل الثلوج التي لم يحتملها ومع ذلك لم أسمع صراخاً ولا استغاثات نجاة ولا هرولة ولا شاهدت أحداً يخرج منه أو يهرع إليه. فالقوات المسلحة بقضها وقضيضها تنزل إلى الشوارع والساحات لمقاتلة الثلج ومهمات الإنقاذ لا تتحرك من قبل الدفاع المدني إلا بتبليغ هاتفي أو عبر اللاسلكي أو البث المباشر. وكان البيت قد أتى على سروة جواره فقصف عمرها للتو.
قال هاجسي:
أية إنسانية تدعيها وها أنت لم تهرع للتبليغ أو المساعدة وأنت ترى بأم عينيك ما يحدث لجارك المقابل؟
قلت طارداً توبيخه بتوبيخ مماثل:
وهل رأيت بشراً يدخلونه ذلك المنزل منذ عشر سنوات؟ فلماذا لا تفترض أنت الآخر أن أصحاب البيت من أولئك الذين يمتلكون بيوتاً هنا ويقيمون ويعملون في دول الخيلج أو أمريكا؟ أما السروة فليس ثمة بيني وبينها علاقة منذ حرمت من مشاهدة سرو سيلة الظهر الباسق العملاق في مرتفعات جبلية في فلسطين قل نظيرها جمالاً وألوهية وقداسة وهذا المنزل الذي هوى ليس ببساطة مقام النبي لاويين أو النبي سيلان في مهد الطفولة الثلجية أيام مواقد النار. فكف الهاجس عن محادثتي وطار، كما النوم من عيني الساهرتين على الشجرة.



تمادت العواصف عندما لم تجد جبلاً يردعها أو يربت على كتفيها قائلاً: شاهدت مثلك كثيراً من الرعونة الهوجاء فاستريحي قليلاً وانظري لكائن الثلج الغافي هنالك عند عتبات النبي سيلان. أو على الأقل إهدأي لعلي أفهم مبتغاك من الهبوب. فإن قصدتي تلك الشجرة في حديقة البيت المستأجر في عمان فهي لك دونما زعيق إذا جد الجد، فالمؤجر من أصول سورية سيحتمي إن هو شاء بجبل قاسيون لعله يرمم ما انقطع له من جذور في قدسيا أو ما سلب منه من كبرياء في الجولان أما المستأجر فهو الإبن البكر لي ما زالت أغنية فيروز «يا جبل اللي بعيد.. خلفك حبابينا» تعصف به منذ أربعين عاماً ولم تقطع له جذراً واحداً من قرميته العتيدة الممتدة على كتفي القبيبات «أنا» من سرو وكرز وزيتون وعنب وعرائش الدوالي. حتى مستوطنة «هوميش» أنقذوها منذ سنوات من القادم والآتي. فلو صدق يهودها في ادعائهم التوراتي أو التلمودي لما شيدوا مستعمرتهم على كتفي اليسار ما بين برقة والسيلة الرابضة على ظهري وإن شئت في أحشائي منذ تمجلست بفعل الخالق الأحد فوق هذا اللحد.؟ ولشيدوها هنالك. انظري أيتها الجوفاء، في السهل المؤدي إلى سواحل حيفا حيث مقام النبي لاويين. فهل جاء مستوطنوا حوميش للتعبد هنا أم للسياحة؟ لقد شيدوا بيوتهم كما كانت تشيد في أوروبا وأهالوا طعامهم في وجه جنود شارون الذين جاؤوا قبل ثلاث سنوات لإخلائهم وسكبوا زيت الزيتون المقدس في الشارع الصاعد إليها تلك «الحوميش» لتنزلق آليات «جيش الدفاع» وتذهب للجحيم عندما اقتربت من رأسماليتهم المؤدية للإمبريالية الأمريكية. فأهدئي أيتها العواصف الرعناء. ولعل الهدوء يجلب لك السكينة والعزلة ومن ثم البصيرة. فما الرجل الساهر قرب تلك الشجرة سوى الابن البار للهدوء والعزلة، ومنها يستمد إسلامه السموح مع أهل الكتاب. فهو لم يطرد في حياته نملة. ومنها يستمد انجيله الخاص وتوراته الخاصة، إنه التلمود غير الحاقد، وهو التنين الراقد في سفوح عمان المدينة التي تشبه الثلج في هشاشته. فكم استغرق معك هدم ذلك البيت الذي شيده أصحابه ليهدوه إلى أمريكا أو مراتع النفط؟ ليس سوى دقائق معدودة وتقوض. أما ذلك الإنسان الساهر على ضميره وذكرى الشجرة، فوفيٌ لابن الشجرة* وثمر الشجرة وورق الشجرة. لن تقتلعيها من ذاكرته ولا من ضميره ولا من شروش يديه الناتئة بانتظار جلطة قادمة. وإذا كنت لا تريدين الهدوء وتتعجلي البوليس والدائنون وفواتير الكهرباء والماء وتلفيق تهمة جديدة فلست امرأته أيتها العاصفة الجوفاء كي تمكني منه الأعداء. إهدئي ياما ثار وماج وهاج غيرك وفي النهاية استكان قرب نفايات الزرقاء موطنه وقرب صحراء الأزرق نهايته إذا ما كان رجلاً من الرمل أو شجرة من الشوك. لا... لن تقتلعيه إلا من حدودك الجغرافية، وحدوده توراتية، والأسرار باتت مكشوفة أمام هذا التنين المتقدم نحو أفق الثلج والحرية. أهدئي، بل انخمدي أيتها المدعية الرعناء فقواتك المسلحة لن تقضي على الثلج بهراواتها ولن تسقط الكوكب برصاصة ولن تعتقل الأفق الجديد بأقفال تم صنعها في اليونايتدكنجدم. فلعلك تتأملين ما يتأمل وتتخيلين السنوات المقبلة كما لا تتخيلها إدارة بوش وحكومات أبي لهط العاجزات عن تسديد  المديونية لكن الجبل البعيد ظل يخفي سراً بأن الشمس لم تنته تماماً. وأن رجل الثلج كان يعتقد يائساً أن النهاية حلت، ويعتقد واثقاً أن الله عز وجل يحبه على ما هو عليه أياً كانت ظنون ومعتقدات الفانين من البشر. ولم يبح الجبل لحظتذاك للعاصفة بكل ما لديه فقد كان يعلم أنها عندما تشرق الشمس من جديد، ويذوب رجل الثلج الغافي عند عتبات مقام النبي سيلان، ويذوب الرجل الساهر في مرقده يتلظى في عذاباته أو تأملاته، سوف تدلف العاصفة إلى أقرب مركز للشرطة للإدلاء بإفادتها. ظلت العاصفة منصته. فغفت الشجرة قليلاً، وظلت العاصفة تستمع لجبل يعقلنها ويشد من أزرها ويبصرها كي يلهو في النهاية بها عن الحسد كي ينأى بها عن الجسد، وكي يسوي لها روحاً لرجل الثلج كي يجدها له، وبه، عندما يذوب ويستيحل إلى ماء يذوب مجدداً في السيول، السيول التي تتجمع وتتكاتف ومن جبل القبيبات تهدر في الوادي، الوادي الذي يحاول منذ الأزل أن يصل مشارف شطآن الساحل، إلى حضن أبيه، البحر، إلى حضن أمه، الأرض.
* * *
أضاءت ملامحه ابتسامة عندما تذكر قصة نورما اللبنانية ورجل الثلج الفلسطيني، لكنها اختفت عندما تذكر المؤلف. كان في  قصة يحيى يخلف رجل الثلج هو الذي يذهب لزيارة نورما بائعة العصير النحيلة ثم يعود أدراجه للمرابطة في الجبال أما الآن فإن رجل الثلج أصبح في كل مكان ونورما أصبحت لبنان بل وأصبحت عمان إذا ما قيس  الأمر بمشهد الثلوج والثياب البيض. الفرق فقط في درجة الجمال عندما تنزع كل عروس ما عليها من طلاء وألوان. ضحك لنفسه عند هذا التوارد. فعندما يذوب الثلج في عمان... غيره عندما يذوب الثلج في لبنان. لكم أحب لبنان التي يراها. فكل من صعد قمة جبل القبيبات قال مشيراً للشمال: تلك هي لبنان، عندما يشاهد قمة جبل الشيخ مغطاة بالثلوج لفترات طويلة من السنة قبل أن يلحظ الزرقة الداكنة عند سواحل حيفا أو يقول تلك هي حيفا أو تلك هي يافا. ربما لأن الزرقة كانت وفيرة في السماء كنا نحتاج فقط للأبيض الناصع الثلجي الذي بالكاد كنا نراه في خرق العجائز المسنات لكثرة ما كن ميالات لصبغ الأبيض الناصع بالنيلة الزرقاء أو السماوية لكسر حدة الأبيض في سطوع الشمس في الصيف، تلك التي لا تحتملها عيونهن بعد سن السبعين والثمانين أو التسعين. فأين منهن نورما اليوم التي لا تكبر ولا تشيخ. وأين منهن اليوم رجل الثلج القابع مثل تنين قد تندلع من فيه النار في أية لحظة. ألم يندلع من الجوع أهل غزة إلى سيناء؟ هكذا ستندلع النار إذن من فم التنين نحو قصر العدل أو غيره من القصور في أرجاء المعمورة. ضحك من لفظة «المعمورة» الدارجة الاستعمال رغم أنها غير معمورة صحارى العرب سوى بالخراب الذي جَمَّلَهُ عز وجل بأثواب من الثلج كملهاة وجيزة وسبات قسري للناس كي تكظم غيظها على جوع وبرودة. لم يكن في تلك الليلة ـ إذا جاز لنا الوصف ـ متأكداً من نهاية الكون، بل من اتساعه، ولم يكن متأكداً من حكاية النزوح إلى المريخ بل من أن المريخ جاء إليه. ولم يكن متأكداً من حكاية نهاية الشمس، بل من أن الشمس في اليوم التالي ستندلع من عينيه ، فقد هدأت العاصفة وخمد زئيرها، لكنه لم يهدأ ولم تخمد جذوة الاشتعال فيه، لقد نامت الشجرة وهو لم ينم من حلاوة وعذوبة ولمس تلك القبلة  فقد وجد راحة يده على حرش من لحيته النابتة بلا هوادة وبلا انتظام، ينام لعله ينام.


النبض والمدى

قال لنفسه:
بعد ست وخمسين عاماً لم أزل في القرآن الكريم عند أول كلمة من أول آية، إقرأ... ولم أنتقل بعد لأية كلمة تالية لتجعلني أحس بامتلاء كينونتي. أما في سفر التكوين فقد كنت عند رعشة الماء ما بين الظلمة والضوء ولم أزل إن لمن أكن تراجعت عن ذلك مع تراكم الثلوج الذي يصعد يصعد ليلامس بالأبيض الناصع رماد السماء المكفهرة بلا وضوح أو لون محدد. ثمة  فرق ولا شك أن صقيع سيلة الظهر في الخمسينيات كان حافي القدمين، والآن أنجزنا والحمد الله في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين استيراد أحذية من العين أو من البالة في وسط البلد تكفي لكسوة شعب أو نصف الشعب إذا ما طرحنا من التعداد العام  عدد البساطير. هل مات حقاً إسرائيل شاحاك؟ لن أسأل «الواشنطن بوست» على أية حال أو ثوماس فريدمان في النيويورك تايمز. فقط أريد أن أطمئن عليه في الثمانين من عمره. أما قناة الجزيرة التي أذاعت نبأ وفاة الحكيم فليس لها أو لأحد أن يعتب عليَّ بعد انقضاء خمسة عشر عاماً على وجودي في الأردن عارياً في مواجهة الأعاصير وتنفيذ استدعاءات الجلب إن لم أذهب لإلقاء النظرة الأخيرة أو للسير والهتاف في المسيرة أو لحمل باقة ورد له في الكنسية أو لوداع رفقته في سحاب. فلم أتحدث إليه مرة في حياتي ولم أزر بيته أو يسأل أحد منا عن الآخر منذ البرنامج المرحلي في النصف الأول من السبعينيات. لكنني أكتفي من سيرة حياتي بأننا التقينا ذات مرة في المصعد. وكان مرافقه قد احتجزه لصعود الحكيم، فعدلت عن عدم استخدام همتي في صعود الدرج باستخدام ساقيَّ في الصعود والهبوط وكان لسبب «سري» قد اعتذر مستخدماً كلمة «إبني» في التعريف بي. لكنني لا أخفي أنني منذ أكثر من أربعة وثلاثين عاماً ما زلت عند نقطة حرجة ما بين القومي والأممي وما بين الوطني والقومي لم أبرحها إلا نادراً مهما كان حجم الصعود أو الهبوط ولو بالطائرات. وأنني في الانتظار لما هو آت. وأنني ما عبدت في حياتي صنماً ولا عبدت اللات. وأن الرفاق على اختلاف نهاياتهم لهم الحق كل الحق في الإنشاد وفي حمل الرايات. أما أنا فلا راية لي كي ألوح بها ولا غد ولا عقارات ولا بنايات. لكن الثلج حاصرني فلا رن هاتفي ولا مرت بي كل هذه السيارات. وفي عزلتي لم أزل متمترساً ليس في غايتي إلا المزيد من الثبات. هل لكم أن تسجعوا عوضاً عني وعن هذه اللغة؟ بالأمس كان قلبي يخفق ولم أنتبه أنه هو. يا له من قلب قوي على المشقات والنكبات والنكسات والهزات والرعشات. لكنه أيضاً بات واهناً من حقه ذلك بعد قطعه كل هذه المسافات. ومن حكمة أمثالي أن لا يذهبوا. بل من واجبهم  الإنساني والأخلاقي أن لا يذهبوا. ثمة ما يسكننا من الماضي غير بيوتنا وقرانا وسهولنا وجبالنا . ثمة شهداؤنا الأجمل من هذا الثلج . ثمة حسابات وعتب وأخطاء وتحولات في كل ما نحمله من الفكر القومي الذي يؤول إلى سبات بعد كل تلك الهبات والفورات. ثمة ما يشغل غيرنا من حسابات ومقاولات. أما نحن ، فليس لدينا سوى مقالة أو مقالات. فهل بوسع أحد أن يسجع مثلي أو يهجع في مهجع 13 في بيرين لأنه أقدم بكل جرأة على دهس أصبع زوج صاحبة الطليقة؟ كما ورد في لائحة الدعوى في القضية رقم ...../1994؟ ومع ذلك.. لا جاءت نورما في هذا الليل ولا نامت غزة. ما ذاب رجل الثلج عند عتبة النبي سيلان ولا زار أهل حوميش لاوينهم. ولا اتصلت شركات الهواتف النقالة تقول: بمناسبة الظروف الصعبة تهديكم الشركة ديناراً واحداً وقد يكون فيه نجدتكم كي تبقون على قيد الحياة كزبائن مربحين ودائمين لشركات الاتصال الخلوي في الأردن السعيد بحلته البيضاء. ولا اتصل الأصدقاء أو رابطة الكتاب تتقصى حالة أعضائها في هذا الصقيع الذي جمد نحو مئتين من الأعضاء يضاف إلى من دخلوها أصلاً وهم لا حراك مجمدين.؟ وهذا الثلج الوضاء الطاهر في الخارج مثل قلبك أبيض. وهذا الثلج المتراكم الهش مثل تراكم العضوية في الاتحادين من الكتاب ما يلبث أن يتكسر بنفخة تنين ناشيء ستحول إسرائيل بكل قوتها دون أن يبلغ سن البلوغ وينمو كما تنمو الديون على أمريكا ويهجم بحكمة ليخرجها ملغمطة ببترول ونفط الجزيرة وملطخة بسواد نفط العراق. هكذا هي تأملاتك في بلاد الواق واق. حيث لا طيور حولك ولا هديل حمام. حيث لا سكينة حولك والناس نيام. وحيث على غلبهم ينام العباد وعند الصبح يظهرون لأعمالهم وكأنهم لا ظلم لا جور ولا تناقض في وئام. هو الثلج إذن عطلهم عن أعمالهم ورحمة للأرض والطير والشجر. هو الثلج المقدس عطلهم عن الكلام. فالله عز وجل أرسل لهم كل هذا الثلج عبرة وفكرة ورسولاً. فهل تأمل أحدٌ منهم في هذا اللون ما يقوله الثلج أم ظل كسولاً في الدفء يحتمي وبما يمتلكه من غنائم النهار والانهيار . في البرد ينفق من الدفء على لصوصه الصغار الوثابون للسرقة واستبدال الشمس بمائدة للقمار. غداً إذا أشرقت الشمس يستيقظ المتجمد في سيارته على سيجارته فلا ينتبه أن ثمة بروميثيوس أشعلها له، بل على ما غنمه من ثلاثة أضعاف ثمن العلبة ويسير إلى حيث مجمع سرقاته ومن حوله من الشطار. أما أنتَ يا سيد الشعلة والنار، فقد كتب عليك أن تظل تكتب وتكتب في الحصار، تضاريساً لروحك، ومن روحك تستمد دفئاً أية نار.  ومن روحك تستمد قوتها اللغة وتهدر من شعلة الحرف 700 بئر من الآبار. نفط الأرض يسمسره التجار الفجار وعليك إحكام إغلاقه منزلك عليك، وعليك إحكام صنع ما هو مقبل والثلوج تعلو والسماء انثيال تلو انثيال. فلتحكم إقفال غازات روحك وإياك قبل موعده أن تعلنه الإنفجار. فاصمد أيها الثلج المقاوم. واصمد من وراء حصارك أيها التنين المقاتل.
ضحكت الشجرة لما وصلها من هواجس رجل الثلج وتحولاته، كي يدفء نفسه، إلى تنين صغير. بالطبع أحسست بالامتنان له من تلك القبلة واليد الناحلة التي أزاحت عنها الثلوج. لكنها لم تتمالك نفسها من الضحك جذلى من فكرة اللهب الذي سيخرج من فمه وربما أصابها بمقتل إن هو لم يحكم تصويب النار حيث جبل النار. لكنها أيضاً لم تخفِ تلك الرعشة التي أصابت جسدها وهي معزولة ووحيدة عن الغابة وهي أيضاً حبيسة ما ينتظرها من الانتظار. إنه قبلة الحياة وكفى، قالت لنفسها، وتذكرت ما به من الظمأ. وتذكرت ما تعده  أيضاً في الصيف القادم من كلأ. إنها قبلة الحياة أياً كان شكل الوداع يا رفيق. ولم يكن على منأى من التواصل معها، فقد خرج لتوه لمشاهدة ما جمعته أغصانها من الندى، وكانت من نشوة الحب ترى في عينيه ونبضه اتساع المدى.





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العقيد معمر القذافي - بداية و نهاية - حكم ليبيا 41 سنة فماذا تبقى للشعب الليبي ؟

؟

The International Day Of Teachers In Jordan=The day Of Teachers' Humiliation