هل أثمر الربيع العربي.. كتاب وهيب الشاعر/1


هل أثمر الربيع العربي.. كتاب وهيب الشاعر/1
24/06/2014

الكتاب الجديد يقع في مقدمة سبعة فصول هي: بدايات في نهاية الانحطاط، تحولات القرنين، اماني الشعوب العربية، حراك التغيير والإحتجاج، البنى الإجتماعية والسياسية، البدائل المستقبلية، والمشاريع الوطنية والقومية.
يمتاز قلم الشاعر في الربط التحليلي بين المقدمات والنتائج التي تحققت، أو التي يتوقع تحققها.
إلى الحلقة الأولى من هذا الكتاب القيم، ويتضمن المقدمة والفصل الأول، وجزء من الفصل الثاني:
1- مقدمة
يشكل القرنان الماضيان بداية الصحوة والنهوض والحياة العربية الحديثة. وقد تمثل هذان القرنان بعودة العرب إلى الوجود والحضور بعد سبات طويل ولكن في ظل سيطرة الغرب. وهكذا كانت المحصلة التي تحققت نتيجة تصارع هاتان القوتان: تدفق الحياة في المولود الجديد، والبيئة المعادية التي فرضت نفسها عليه.
وفي تحديد أسباب صحوة ونهوض الأمم كما في أسباب السبات والقنوط لم يسجل الفكر الإنساني نجاحاً علمياً وموضوعياً ينسحب على كل مكان وزمان. ولكنه سجل نجاحاً باهراً في الوصف وتحليل الظواهر وروابطها ونتائجها.
وكانت الولادة العربية الجديدة من رحم عصر انحطاط دام قرون عديدة وصل العرب في نهايتها إلى شبه الانقراض في العدد والحضارة. اما سيطرة الغرب على العالم العربي فقد جاءت في ذروة نهضة الغرب وانفراده فيها ما مكنه من احكام هذه السيطرة على كامل العالم.
وقد تحققت سيطرة الغرب على العرب والعالم دون ان يكون الغرب موحدا ذاتياً ما دفعه للاحتراب الدموي والعنيف بين دوله ذات العقيدة القومية والإقصائية للآخر. ولكن الغرب وغيره فيما بعد تجاوز هذه العقيدة القومية عندما ظهرت قوى عظيمة في الشرق فرضت على الطرف الآخر التوحد في مجابهتها.
وفي الحرب الباردة التي قامت بعد الحرب العالمية الثانية بين الغرب والاتحاد السوفياتي كان العرب من حصة الغرب ما خلق كابوساً على الشعوب العربية شارك في فرضه وبقائه لنصف قرن كل من الغرب وما اقامه من نظام سياسي عربي. وأخيراً بدأ هذا الكابوس الحديدي يتزلزل ويتفجر متغذياً بالقهر من القمع وغياب الحريات والفساد والتبعية والحرمان. فماذا سوف ينجم عن ذلك؟
والجدير بالتنويه في البداية أن حقيقة وطبيعة هذا الانفجار في انطلاقته وتوقيته ودوافعه وإدارته والتحكم بنتائجه كانت في مجملها خلافية بين النخب السياسية والفكرية، ولاتزال وصولاً إلى ما أطلق عليه حالياً مصطلح "الربيع العربي".
لقد كان النظام السياسي العربي الذي أقامه الغرب مستفيداً من خصائص المجتمع العربي. وقد تلخصت ركائزه هذه في البنى الاجتماعية والسياسية المتصلة بالمؤسسة الأمنية ونخب المال الفاسد والريعي والمهاجر وذلك تحت اشراف وتوجيه الغرب المسيطر أو المحتل عند الضرورة. وكانت جذور هذه الركائز قد تشكلت في القرنين الماضيين كما يظهر في الفقرة التالية.
في هذا البحث سوف يتم التطرق لحال الأمة العربية قبل القرنين الأخيرين أو ما سمي في الفصل الثاني بدايات في نهاية الانحطاط. وربما الوصف الشامل لذلك الحال هو الفراغ والانتفاء والتردي. ولكن الفصل الثالث يرصد مسيرة التحول من ذلك الحال إلى الحال الراهن الذي يشكل عملياً عكس ما كان الوضع عليه قبل قرنين.
وفي ضوء هذه التحولات الكبيرة والمليئة بالسلبيات من وجهة نظر المواطن العربي يمكن جرد الأماني التي يحلم فيها هذا المواطن كما هي مدرجة في الفصل الرابع، وهي أمانٍ شاملة لا تترك اي جانب من جوانب حياته. ولكن ما هي القوى الإجتماعية والسياسية التي تحكم العالم العربي الآن؟ وكذلك ما سوف تؤول إليه حركة الاحتجاج أو الربيع العربي كما يرصدها الفصل الخامس. فيما يتطرق الفصل السادس لمسح هذه القوى.
اما الفصل السابع فيحاول ان يستشرف البدائل المستقبلية ومدى امكانية تحقيق الأماني العربية بواسطة الحراك والاحتجاج. ولكن بالنظر لغياب شبه كامل للفكر السياسي المرافق لهذه الاحتجاجات، جرى إدراج الفصل الثامن الذي يتطرق للإستراتيجيات المستقبلية على شكل المشاريع الوطنية والقومية العربية.
2- بدايات في نهاية الانحطاط
ليست واضحة بالكامل أسباب انطلاق العرب من حال الانحطاط عبر قرون عديدة وصولاً إلى الانهاك والتقلص والتصحر الإنساني. وكل ما يمكن تحقيقه في هذا المجال هو وصف هذا الإنطلاق وما احاط به. فأسباب نهوض وهبوط الشعوب كما قال ثوينبي عصية على الكشف، وإن كانت معالم البيئة الحاضنة لهما أسهل للتلمس.
شمل المشهد العربي البائس قبل قرنين بضعة بؤر من الحيوية لم تثمر أو تدوم جميعها. وكان أهم ثمار هذه البؤر إحياء اللغة وتراث الثقافة العربية في القرنين السابع والثامن عشر في جبل لبنان والذي كان له الدور الأول والأكبر في تشكيل الهوية العربية المعاصرة. وقد لحق بذلك اتجاه مواز ورافد بدأ بالقرن الثامن عشر والذي تمثل بتجديد الفكر الإسلامي الإصلاحي وإحياء الجذور السلفية. وقد انتشر ذلك الاتجاه في معظم البلاد العربية وخاصة المشرق العربي. اما احتكاك اقصى شمال أفريقيا مع اسبانيا والبرتغال واستيعاب مهجري الأندلس المورسكيين فقد فقد قوة الدفع والاستمرار الحضاري. كذلك تحول نشاط أطراف الجزيرة العربية الجنوبية مع شرق أفريقيا لجنوب شرق آسيا حيث يوجد الأن أكثر من خمسة ملايين مهاجر عربي. أما مصر التي كان لها الدور الأكبر في النهوض العربي فلم تبدأ مساهمتها النوعية قبل بداية القرن التاسع عشر في عهد محمد علي. وبذلك يبقى التيار الوهابي السلفي المتشدد الذي انطلق في نجد وسط الجزيرة العربية في منتصف القرن الثامن عشر متمرداً على مظلة الدولة العثمانية والإسلام المعتدل، ولا يزال له دور خلافي وساخن على المسرح العربي والإسلامي. كما أن سجله في القرنين الماضيين لا يؤهله ليندرج ضمن حراك النهوض.
وباستثناء هذه البؤر كان العرب قبل قرنين في غالبيتهم العظمى في حال من البؤس والامحاء ما عدا عدد من المدن المنتشرة خاصة في المشرق العربي وأهمها القاهرة. وقد حافظت هذه المدن على مجتمع وثقافة واقتصاد المدينة المتكلس منذ قرون. وكانت نسبة المدن من مجموع السكان في العالم العربي تفوق مثيلتها في أوروبا منذ القدم رغم تقدمها في حينه على العرب في الحضارة  والمعاصرة. وقد شكل ذلك رافعة فاعلة في تسريع النهوض العربي بالنظر لدور المدن في تطور المجتمعات قبل أن يتبعها الريف. وقد شمل التكلس في المدن العربية المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية باستثناء الموارنة والكاثوليك خاصة في جبل لبنان الذين كانوا على صلة عريقة مع الفاتيكان. وقد وفر لهم ذلك التواصل مع أوروبا المتطورة وأهلهم بذلك لايقاظ اللغة والثقافة العربية.
لم يتجاوز عدد السكان العرب بمجموعهم عند وصول نابليون لمصر عام 1798 خمسة عشر مليون. فيما قدرهم الدكتور البرت حوراني بثمانية عشر مليون، وقدرهم شارل عيساوي استاذ التاريخ الاقتصادي بشكل غير مباشر بما يقارب ذلك من خلال تقديره لسكان مصر بأقل من ثلاثة ملايين. وقد شكلت مصر عبر التاريخ 20-30 بالمئة من مجموع السكان العرب.
وكان المواطن العربي في الريف شديد الفقر وكثير المرض وأميا وبالكاد يعيش حتى الثلاثينات من العمر في جهل مطبق عليه بالشعوذة والسحر والعادات والتقاليد الموروثة والمشوهة عن عصور الإزدهار. أما في المدن فكان من بين العامة شريحة صغيرة من الحكام ومالكو الأراضي ورجال الدين الذين تلقوا تعليماً بدائياً ودينياً. وكانت غالبية الناس تعيش من الزراعة البدائية وحرف صناعة أولية.
وكان الأمن مستتباً في ظل الهويات القبلية المحلية وفتوات المدن. كما كان الغزو الملاذ الأخير في السنين العجاف. ولم يشكل إدراك الهوية الدينية أو المذهبية انشغالاً بها كمصدر للعيش أو الأمن بالنظر لضعف الاختلاط مع غيرهم. أما الهوية الوطنية أو القومية فلم تحتل حينئذ أي مساحة في الوعي الذاتي. كما أن مفهوم وواقع الدولة كان محصوراً بالأمن الضيق والجباية وبعض القضاء. وكان يتولى ذلك غرباء أتراك حتى أنهم لم يتقنوا اللغة. ولذلك لم يعرف الناس العصبية إلا بين أفراد القبيلة أو المذهب وما يرافقها من انتماء وولاء. وهكذا كان الحال نقيضاً للحداثة أو حتى ما قبلها. وكانت الحياة امتداداً لقرون سحيقة دون تغيير. وكان التنظيم الاجتماعي المعتمد خليطاً من الشرائع الدينية والتقاليد الموروثة.
وكانت كافة البلاد العربية تحت مظلة الدولة العثمانية منذ بداية القرن السادس عشر. ولكن رغم حضورها الموغل في أواسط أوروبا فإنها لم تواكب النهوض الحضاري السريع في أوروبا ما أكد بالتبعية حال الانحطاط العربي حتى القرن التاسع عشر. وقد تمثل الحكم برموز السلطة في عواصم الأقاليم والتي تتلخص بقلة من الجند مع قاض وجاب في دائرة جغرافية ضيقة. أما غالبية السكان المنتشرين في البوادي والريف حيث الأنهر والأمطار فقد كانوا يديرون شؤونهم بأنظمة أمنية اجتماعية محلية كان أهمها القبيلة وتقاليدها العريقة، والإمارة والفتوة لأغراض الأمن في الأحياء، وذلك في شراكة مع الملاكين وكبار المزارعين والتجار ورجال الدين كما كان الحال منذ القدم. وهكذا افتقدت المناطق العربية البعيدة عن العواصم تأثير الإدارة المركزية وكذلك فقدان سهولة المواصلات في المساحات الشاسعة باستثاء الحاجات الأمنية الأساسية.
ولم يكن حال باقي أجزاء الدولة العثمانية في شرق أوروبا والقوقاس والأراضي التركية أفضل من حال البلاد العربية. وربما كان حال التخلف في اسطنبول المجاورة لأوروبا الناهضة ما حفز شعوب البلقان على التمرد. ولكن التخلف فاقم في منع رياح التغيير والمعاصرة وعودة الحيوية عن العالم العربي بسبب البعد وضعف التواصل. ولم يختلف الحال في الجوار الإيراني وعمقه الشرقي. أما في الحبشة والقرن الإفريقي فقد بلغ التكلس أكثر عمقاً وكثافة ما أكسبه منعة وأبقاه عصياً عن التفاعل مع رياح الخارج زمناً طويلاً.
اما العلاقات العربية الأوروبية المباشرة وخاصة منذ بداية عصر التنوير والنهوض الثقافي والاجتماعي في أوروبا منذ القرن السادس عشر واستحقاقاتها السياسية التي كانت ذروتها الثورة الفرنسية فقد كانت غائبة كلياً عن المجتمعات العربية. وبذلك لم يشارك العرب اطلاقاً بالحداثة الحيوية التي كانت تتوالد بتسارع في أوروبا خاصة بعد الثورة عام 1789. وهكذا انحصرت العلاقات العربية الأوروبية قبل ذلك بالتجارة المباشرة حيث تبادل الفوائض الزراعية العربية بالمنتجات الصناعية الأوروبية التي كانت من أهم مظاهر المدينة العربية بدءاً بالقرن السابع عشر فيما الوكالات التجارية الأوروبية وأعمال الوساطة التي كان العرب يقومون بها بين الشرق الأقصى والغرب على طريق الحرير البري والبحري تلاشت تقريباً بسبب وصول الغرب بحرا إلى الشرق الآسيوي حول الرجاء الصالح الإفريقي. وقد مكنهم ذلك من إقامة علاقاتهم المباشرة مع الشرق الأقصى دون المرور بالشرق الأوسط.
وكان الغرب قد استكمل ما نقله من الثقافة العربية في المشرق والأندلس وعبرها من الثقافة الإغريقية والهندية والتي توقفت منذ قرون عن العطاء والإضافة والتجديد والتي ربما كان اخرها ابن خلدون في القرن الرابع عشر. اما الإستشراق الغربي لحال العرب وبلادهم  وتاريخهم والذي ساهم في السيطرة عليهم حتى الآن، فقد جرى بزيارة أفراد إلى البلاد العربية دون ان يثير ذلك اي اهتمام بهم لدى العرب في القرنين السابع والثامن عشر.
وكانت الحياة الإجتماعية في العالم العربي قبل قرنين بدائية ومقتصرة عملياً على العائلة الممتدة والمقيمة في البيت الواحد، وعلى الجيران وخاصة الأقرباء بالدم. وما زالت العلاقات العائلية قوية حتى الآن بالمقارنة مع المجتمعات الغربية. اما الاقتصاد والسكان فكان معظمهم يعمل في الزراعة حيث الإنتاج لا يزيد الا قليلاً عن الكفاف. اما في المدن أو القرى الكبيرة فكان بعض السكان يعملون في صناعة ادوات البناء والزراعة وبعض النسيج. اما البيوت فكانت من شعر الحيوانات في البادية، ومن الطين في القرى والخليط من الحجر والطين في المدن.
وكانت الحياة قافرة من أي نشاط أو إنتاج ثقافي بالمعايير الحديثه بإستثاء نشاطات مناسبات الزواج والمواسم السنوية الإنتاجية أو الشعائر الدينية. وكان بعض رجال الدين من القلة القادرة على القراءة. ولكنهم كانوا يجمعون الوظائف الدينية مع سبل العيش الأخرى. وكان الموت حاضراً بشكل أكثر تكراراً خاصة في سن الطفولة. اما امراض الكبار فلم يكن لها علاج في معظم الأحوال كما كان حال كافة البشرية. وكان السفر على درجة كبيرة من الصعوبة بسبب غياب الطرق المعبدة والاعتماد على الحيوانات ما جعل الحياة مقتصرة على القرى القريبة.
وكانت الدولة تجبي الضرائب على الإنتاج الزراعي بشكل رئيس. ولكنها لم تقدم للسكان أية خدمات تذكر ما جعل علاقتهم معها ذات طبيعة سلبية. وهكذا لم يشعر السكان بانتمائهم لوطن تشكل الدولة رمزاً له. كما لم يكونوا معنيين بهويتهم أو بأية عصبية تربطهم ببعض وخاصة نحو الغريب الحاكم والمتمايز عنهم.
وعلى هذه الخلفية السائدة في العالم العربي قبل قرنين حصلت انعطافة تاريخية ما زال العالم العربي لم يكمل مسيرتها. وربما كانت البداية في مصر ذات الموقع الأكثر تأثيراً في العالم العربي. فقد غزا نابليون مصر عام 1798 مصطحباً جيشاً محارباً وجيشاً آخر من العلماء بكافة الاختصاصات. وقد بقي نابليون وجيوشه في مصر خمس سنوات تصدى له فيها محمد علي على رأس جيش أرسله السلطان العثماني من اسطنبول. وقد هُزم نابليون وغادر رغم أنه حاول جاهداً احتلال أجزاء من ساحل شرق المتوسط وخاصة مدينة عكا التي هزمه فيها حاكمها الملقب بالجزار.
وكان محمد علي قد جاء إلى مصر من البلقان الأقرب لنبض المدنية والحداثة في أوروبا كما أكد سجله في حكم مصر لحوالي نصف قرن. فبعد أن نجح في طرد جيوش نابليون اعتمد محمد علي برنامج إقامة دولة مصر الحديثة بشكل منهجي. فقد أقام إدارة مركزية وامتداداتها إلى كافة المناطق المصرية. وخلق جيشاً حديثاً في أسلحته ونظامه. واعتمد برنامجاً لتطوير الزراعة وخلق الصناعات المدنية والعسكرية. واعتمد برنامجاً للتعليم في مصر وأرسل الكثير من البعثات الدراسية إلى أوروبا وخاصة في علوم الهندسة والطب. وقد استعان بالكثير من ضباط الجيش الفرنسي المتقاعدين خاصة بعد هزيمة نابليون في أوروبا. وبذلك ولدت مصر الحديثة وهي ما زالت أكثر تطوراً من معظم البلاد العربية التي قادتها مصر في الكثير من المجالات. ولكن المسيرة العربية نحو الحداثة والمعاصرة ما زالت غير مكتملة كما أنها تشكل إحدى أهم قضايا وتحديات المجتمع العربي.
3- تحولات القرنين
1-                       مقدمة
شهد العالم العربي في القرنين الماضيين تحولات مذهلة ومتداخلة على كافة الأصعدة تظهر أكثر وضوحاً عند النظر إلى الوراء. ومن الأجدى في هذا المجال تعداد هذه التحولات مع بعض التأمل في الحصاد حتى المرحلة الراهنة مع بعض الإسقاط على المستقبل المنظور. لقد جاءت هذه التحولات نتيجة التفاعل بين حال الأمة الذي بدأ قبل قرنيين بشكل مترد من جهة، ومخزون التراث الثرى من ماض مجيد ومتفوق على الحاضر بكثير من جهة ثانية، ودفع اليقظة الذاتية في الأمة من جهة ثالثة. وقد حدث كل ذلك تحت مظلة الإستعمار الأوروبي الأمريكي بأشكاله المختلفة. وفي المجمل كانت التحولات في المجالين الاجتماعي والثقافي تميل في غالبيتها نحو الإيجابي بخلاف التحولات في المجالين السياسي والاقتصادي التي مالت بوضوح نحو السالب. أما دور الصاعق في تفجير هذه التحولات في عام 2011، فهذا يعيدنا إلى أسباب نهوض وهبوط الأمم الكثيرة الخلاف والاجتهاد..
2- السكان
نمت أعداد السكان العرب بشكل مذهل من حوالي خمسة عشر مليون في بداية القرنين الماضيين إلى 360 مليون مقيمين حالياً في العالم العربي إضافة إلى حوالي 100 مليون مغتربين في الأمريكتين وغرب أوروبا وجنوب شرق اسيا، واعداد اقل في كل مكان اخر تقريباً. وتجدر الإشارة أن نسبة المهاجرين من المسيحيين كانت عالية. فقد هاجر ثلاثة أرباع المسيحيين أو حوالي 40 مليون نسمة وخاصة إلى أمريكا الجنوبية. اما العمالة الأجنبية في العالم العربي بالمقابل فتبلغ حوالي عشرين مليون يتركز معظمهم في الخليج العربي. وهنالك تبادل في الأقليات التاريخية. فهم متشابهون في الأعداد بين العرب في تركيا وإيران بسبب صفقات سياسية في رسم الحدود قررتها دول الاستعمار الأوروبية في الاسكندرون وكيليكيا والأحواز. وبالمقابل هنالك الأكراد والأمازيغ وبعض التركمان في العراق وسوريا وشمال أفريقيا. ولكن هذه الأعداد التي تبلغ حوالي عشرة إلى خمسة عشر مليون في كل حالة هي في حالة تناقص مستمرة بسبب الذوبان في المجتمع الأوسع وثقافته وتفاعلاته متعددة الأشكال.
لقد تحقق هذا النمو بوتائر متصاعدة. فخلال كامل القرن التاسع عشر تضاعف عدد السكان العرب حتى وصل حوالي ثلاثين مليوناً. ولكن هذا النمو لم يكن متساوياً في كل البلاد العربية. فعدد السكان في مصر تضاعف ثلاث مرات حتى أصبح حوالي عشرة ملايين، بينما كان النمو في باقي البلاد العربية أقل سرعة. ويعكس ذلك السبق المصري في الحيوية والانتعاش والانفتاح عن باقي البلاد العربية في تلك الفترة.
وفي النصف الأول من القرن العشرين ارتفع مجموع السكان العرب ثلاث مرات، بينما تضاعف عدد سكان مصر مرتين فقط ما يؤشر لالتحاق البلاد العربية بما تحقق في مصر قبل ذلك. اما في النصف الثاني من القرن العشرين فتضاعف المجموع حوالي خمسة مرات. وفي هذه المرة عادت مصر لتشكل حوالي ربع المجموع العربي حيث أن باقي الدول العربية نمت ثانية بشكل أسرع من المعدل المصري. أما في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين فقد نما المجموع السكاني بنسبة 3% سنوياً. وهو يتجه إلى المزيد من التراجع الآن رغم بقائه إيجابياً وبشكل يفوق معظم باقي الأمم والتي يتراجع عدد سكان بعضها.
ولتقدير أهمية هذا التحول التاريخي في أعداد سكان البلاد العربية توفر المقارنة مع الجوار مفتاحاً لذلك، بالإضافة لربط أعداد السكان بالمساحات الجغرافية التي يمثلونها. فعندما كان مجموع السكان العرب حوالي خمسة عشر مليوناً كانت أوروبا المجاورة والتي تحتل مساحة أقرب إلى ربع مساحة العالم العربي تحتوي على ثلاثماية مليون نسمة، أو عشرين ضعف العرب. وبعد مائة عام عندما أصبح مجموع السكان العرب حوالي ثلاثين مليوناً كان مجموع سكان أوروبا قد وصل إلى حوالي خمسمائة مليون. أما في نهاية  القرن العشرين فقد تحقق التصحيح الجاد عندما أصبح مجموع السكان العرب ثلاثمائة مليون نسمة وأصبح مجموع سكان أوروبا حوالي سبعمائة وأربعين مليون نسمة.
أما أهم استحقاقات هذا النمو الهائل في مجاميع الشعوب العربية فهي في اتجاهين. الأول هو في زيادة أعباء الإدارة العامة وخاصة في مجالات الأمن والخدمات والتنمية. كذلك تواجه السلطة الحاكمة صعوبات وتحديات أكبر في التحكم وضمان الاستقرار. وفي المقام الثاني تتضاعف الموارد ما يزيد حجم الأهمية والنفوذ الجمعي والقدرة على تحقيق الأماني والطموحات. وفي مجال الموارد الطبيعية كالماء والطاقة فإن زيادة الطلب عليها يشكل إرهاقاً ويفرض الحرص والتقنين.
كانت العوامل الأساسية في هذه النقلة السكانية الكبيرة والتي تؤذن بتحولات تاريخية ذات أهمية إقليمية وعالمية، متمثلة في التحسن الكبير في توافر الغذاء والخدمات الصحية وزيادة الوعي من خلال التعليم. وقد خفف ذلك إلى الحد الأدنى تقريباً نسبة وفيات الأطفال، وكذلك ازداد امتداد معدل الحياة حتى تجاوز السبعين في معظم البلاد العربية. أما تراجع وتيرة النمو السكاني فتعود في معظمها إلى تراجع الولادات وتأخر سن الزواج والبقاء في حال العزوبية.
إنّ لهذا النمو السكاني الإنفجاري وخاصة في النصف الثاني من القرن العشرين الذي حققت البلاد العربية فيه الاستقلال السياسي، استحقاقات  كثيرة وهامة. ففى البداية يغلب على المجتمع العربي الآن شرائح الشباب وما لديهم من طاقة وعنفوان وحماس وبراءة وقدرة على الإنتاج والتعلم والتطور. كذلك إن هذه الأعداد المتزايدة بتسارع تفرض على المجتمع أعباء توسيع البنية التحتية في التعليم والخدمات الصحية والطرق والإتصالات والأمن والطاقة والمياه وغير ذلك. ويتطلب هذا التوسيع الكثير من الإستثمار والكفاءة الإدارية وخلق الوظائف الجديدة من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية المجدية.
وقد شكل هذا التوسع أو الحاجة له مجالاً ظاهراً لفشل الدول العربية أو حكوماتها وأدى إلى الكثير من الغضب والإحتقان لدى الشباب واهاليهم الأكبر سناً. لقد جاء هذا التحدي وفشل الدول العربية على اختلاف خصائصها وأنظمتها في مواجهته قبل أن يحقق المجتمع العربي التواصل مع الحداثة والمعاصرة. وقد أدى ذلك بدوره إلى نكسة موصوفة شملت معظم الدول العربية بتزايد مستويات الأمية وباقي مؤشرات التخلف والفشل من فقر وبطالة. وقد رافق ذلك فساد وثراء فاحش وقمع لأي محاولات للاحتجاج والمطالبة بالإصلاح.
لقد اتسمت مجتمعات البلاد العربية خارج الجزيرة العربية في معظمها بحضورية الطابع المدني بالمقارنة مع الريف والصحراء. وقد أدى هذ الطابع المدني إلى تمكين تلك المجتمعات من المساهمة في بناء الحضارة البشرية. وقد يعود ذلك الطابع المدني إلى الطبيعة الجغرافية لهذه البلاد وكثافة الأمطار والأنهار وما توفره من إمكانات وفوائض زراعية لتلبية حاجات المدن. وربما كان افضل مؤشر للحضور المدني انه عندما غزا نابليون مصر عام 1798 كان سكان فرنسا 25 مليون نسمة بالمقارنة مع اقل من ثلاثة ملايين في مصر. وبالرغم من ذلك كان سكان القاهرة ثلاثمائة ألف نسمة وهو أكثر بكثير من سكان باريس في حينه.
وبالرغم من ذلك كانت غالبية السكان العرب قبل قرنين يقطنون الريف والصحراء. ولكن في القرن العشرين حصل تحول كبير إلى المدن والتجمعات السكانية الكبيرة في نفس الوقت الذي كان مجموع السكان يشهد نمواً انفجارياً واسعاً أي في النصف الثاني من القرن العشرين. وهكذا فقد اعاد سكان القرى المنتقلون للحياة في المدن أو في التجمعات السكانية الكبيرة والجديدة، خلق حياة القرية في المدينة بما فيها القيم والعادات والتقاليد خاصة أنهم حافظوا على تكتلهم العشائري أو القروي. وقد أدى ذك إلى نشوء الكثير من التوتر والاختناق في هذه المجتمعات الحديثة خاصة بالنظر للحاجات المادية الأكبر للحياة في المدينة من متطلبات القرية المتواضعة، مع عدم ضمان توافر فرص العمل والإيراد.
ولكن التأثير الأهم على السكان العرب في بيئتهم الجديدة في المدن، كان العيش بين الجماهير والجماعات الكبيرة غير المألوفة سابقاً وخاصة في المناسبات الرياضية أو العشائرية أو في الأعياد، وكذلك حجم الأسواق الكبيرة والمزدحمة. ومن أهم استحقاقات هذا الحال المستجد على المواطن العربي في المدن هو المشاركة في خلق رأي عام يمثل مجمل مشاعر واراء الجماهير حول القضايا الحياتية المشتركة، وتوفر المؤسسات الكبيرة للمواطن العادي الفرص لتبادل الأخبار والآراء المكونة للرأي العام، كالشركات الكبيرة التي يعمل فيها، وكذلك المدارس والجامعات ودور العبادة وغير ذلك. كما انه يتعرض لتأثير الإعلام وأنشطة الثقافة التي تساهم جميعاً في تشكيل حياة الشعوب وثقافة المواطنة.
3-                       الاحتلال الأوروبي
لم يتوقف الصراع الإستيراتيجي بين العرب واسلافهم وحلفائهم من جهة، والأوروبيين على تعدد قومياتهم من جهة ثانية. فبعد أن أخرج العرب المسلمون الأوروبيين من كامل العالم العربي وكما أصبح فيما بعد من خلال التعريب والأسلمة وذلك في القرن السابع، ومن ثم احتلوا ايبيربا، عاد الأوروبيون الصليبيون في نهاية القرن الحادي عشر إلى المشرق العربي ولمدة قرنين ثم أخرجوا بالقوة قبل نهاية القرن الثالث عشر. ورغم تنامي قوة أوروبا فيما بعد على كافة الأصعدة غير أنهم توجهوا إلى الغرب عبر الأطلسي قاصدين آسيا. وكان السبب في ذلك أن العثمانيين المسلمين كانوا في ذروة قوتهم وحضورهم في شمال أفريقيا والمشرق العربي وشرق أوروبا حتى إنهم حاصروا فيينا للمرة الثالثة في العام 1681 ولكن دون نجاح. وهكذا لم تستطع إسبانيا والبرتغال التمدد إلى الجنوب والشرق بعد إخراج العرب نهائياً في العام 1492 إلا هامشياً وذلك بسبب الاندفاع العثماني المتزامن نفسه في بر شمال أفريقيا ومياه البحر الأبيض المتوسط.
ولما تأكد نابليون من تراجع قوة العثمانيين توجه لاحتلال مصر عام 1798 وحلم بإقامة دولة لليهود في فلسطين لكي تشكل قاعدة دائمة للغرب في قلب العالم العربي (كما تحقق في القرن العشرين). وبذلك بدأ التحول العربي من حكم العثمانيين إلى حكم الأوروبيين. وتجدر الإشارة في هذا المضمار إلى أن الغرب لم يكن مدفوعاً  فقط بالعداوة والأطماع نحو العرب وبلادهم بل كذلك بالخوف والكراهية والفوقية العنصرية. وقد شملت هذه الثقافة نخب الحكم أكثر من عامة الناس. كذلك تعاظمت هذه المشاعر لدى الغرب رغم الحداثة التي يتباهى بها، وقيم الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان التي ينادي بها. ولكن يبدو أن الفكر القومي للشعوب الأوروبية حصر هذه القيم ضمن حدود الوطن بينما يوازيها عداوة واضحة لكل من هم خارج تلك الحدود. ويشهد على كل هذا فكر وأدب الغرب المدون.
إن الجوهر الأساسي لهدف الأوروبيين نحو العالم العربي هو الإلحاق الاستراتيجي والاستغلال الاقتصادي في الموارد والعمالة والأسواق والإبادة الثقافية من خلال محاربة اللغة العربية والإسلام وثقافتهما، وكذلك الاستيطان فيه خاصة عندما كان للقارة الأوروبية فوائض سكانية استوعب العالم الجديد لاحقاً معظمها. وهكذا يكتسب الهدف الأوروبي نحو العالم العربي صفة الديمومة والمأسسة التي حكمت خططه التفصيلية في كافة هذه المجالات.
وصلت اعداد الأوروبيين الذين كانوا يعيشون في البلاد العربية قبل استقلالها في منتصف القرن العشرين حوالي ثلاثة ملايين مستوطن. ويبدو أنه لأسباب اجتماعية وثقافية ودينية كان اختلاط المستوطنين الأوروبيين بالعرب محدوداً وخاصة في مجال التزاوج. وحيث أن العالم العربي شهد حالات كثيرة من الإحتلال والإستيطان فإنه سوف يكون مجدياً المقارنة الموضوعية والموثقة بين تلك التي حصلت في الماضي البعيد مع ما حصل في القرنين الماضيين. فمنذ المعتصم الذي اختار طوعاً استبدال قوى العرب المقاتلة بالأتراك الذين عرفهم بالقرب من خلال والدته التركية عرف العرب في المشرق الكثير من المحتلين والمستوطنين. وكان معظم هؤلاء من الفرس والأتراك والمغول وذلك لألفي عام أو أكثر وحتى بداية القرن العشرين. وكان العرب قد انتشروا قبل ذلك وبعده في الكثير من البلاد الآسيوية والأفريقية وكذلك في شبه القارة الايبيرية. وفي كل هذه الأحوال حقق العرب اختلاطاً اجتماعياً وخاصة في التزاوج مع كافة الشعوب الأخرى وذلك عندما كانوا في موقع الحكم أو من رعاياه.
وتجدر المقارنة كذلك مع خبرات الشعوب الأخرى في هذا المجال الاستيطاني خاصة عند تحقيقها الاستقلال أو الحكم كما في جنوب أفريقيا. لقد اختارت معظم الدول المستعمرة سابقاً الإبقاء على المستوطنين الأجانب مع إبقاء باب الهجرة العائدة إلى البلد الأم مفتوحاً إذا هم شاؤوا. ولكن هؤلاء المستوطنين فقدوا السلطة أو الحكم الذي كانوا يتمتعون به بدعم من الدول المستعمرة وبقي نشاطهم محصوراً بالقطاع الاقتصادي. أما العرب وخاصة مصر والجزائر واليمن الجنوبي فقد اختاروا فرض الهجرة على المستوطنين وخروجهم بعد مصادرة أملاكهم وخاصة العقارية أو الزراعية. وحيث أن هؤلاء المستوطنين كانوا قد اكتسبوا مهارات مميزة وغير متوفرة عند غالبية المواطنين، فقد شكل فقدانهم وفقدان دورهم في الاقتصاد الوطني خسارة كبيرة. ولم يكن ممكناً التعويض عنهم من أبناء البلاد إلا بعد وقت طويل نسبياً.
ورغم انصهار كافة الداخلين على المجتمعات العربية أو خروجهم مطرودين فإنهم لم يتركوا آثاراً تذكر في الثقافة العربية الظاهرة وأهمها اللغة واستمرار حيوية التراث العربي. أما التأثير غير الظاهر في الثقافة العربية المعاصرة وخاصة في مجال مهارة الحكم الذي أجاده الفرس والأتراك فقد كان سلبياً. فقدرة العرب على حكم انفسهم وصولاً إلى استقلال القرار الوطني أو السيادة الحقيقية وتحقيق رضا المواطن كما في المفاهيم المعاصرة كان سلبياً. كما إن أوضاع الدول العربية في القرن العشرين توفر مؤشراً واضحاً لفشل الأنظمة السياسية العربية في معظم مرتكزات ومضامين الحكم.
وقد أشار المؤرخ الكبير عبد العزيز الدوري إلى أثر طبيعة الصحاري الواسعة في العالم العربي التي لا تستطيع إنتاج ما يكفي من الغذاء لتمكين أهلها المتزايدة أعدادهم من الاستقرار فيها ما يدفعهم للهجرة الدورية كل بضعة قرون. وقد وفرت هذه الهجرات المتكررة القدرة على الحفاظ على اللغة العربية والثقافة القبلية. ويشكل ذلك حماية للغة العربية بالإضافة للقرآن الكريم رغم الاحتلالات الطويلة والاستيطان. ولكن ثقافة إدارة شؤون القبيلة تختلف عن مقتضيات حكم الدول والمجتمعات الواسعة في المدن حيث التنوع والتعدد حتى للأديان والمذاهب.
تم احتلال معظم البلاد العربية في القرن التاسع عشر في تنافس بين بريطانيا وفرنسا بالإضافة إلى القليل من قبل إسبانيا في المغرب. وقد كان ذلك استمراراً للفترة السابقة التي بدأت قبل خروج العرب من إسبانيا. ولكن الاحتلال الإسباني كان ومازال على شكل جيوب على الساحل وجزر. وفي بداية القرن العشرين استكملت بريطانيا وفرنسا سيطرتهما على الهلال الخصيب بالإضافة لاحتلال ايطاليا لليبيا والقرن الأفريقي. ومن الناحية القانونية أو الرسمية تم التعامل من قبل الدول الأوروبية مع هذه البلاد بأشكال متنوعة. ففي بعض الحالات تم ضمها إلى البلد الأم كما في الجزائر التي أصبحت جزءاً من فرنسا. ولكن في معظم الحالات الأخرى جرى الإعتراف بالأوضاع القائمة قبل الإحتلال أي السيادة العثمانية. وتم إبرام الاتفاقات الرسمية مع السلطات المحلية كالحماية مع بقاء موضوع السيادة غامضاً أو مجمداً كما في مصر وتونس. أما في الهلال الخصيب الذي ورثته بريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الأولى فقد تغطى الاحتلال بوثائق الإنتداب التي صدرت عن عصبة الأمم. وقد كلفت بريطانيا وفرنسا بموجبها بإدارة بلاد الهلال الخصيب وإعدادها للاستقلال مع فرض تقديم تقارير سنوية لعصبة الأمم ولكن دون أية مساءلة حقيقية.
جاء الغرب لاحتلال العالم العربي برغبة عارمة للبقاء فيه بفائض القوة المتنامية لديه وفراغ القوة الذي نشأ مع تراجع الدولة العثمانية، وكذلك بالنظر للمكانة الاستراتيجية العالية التي احتلها العالم العربي منذ القدم. ولكن الغرب لم يأت مع خطط وبرامج تفصيلية جاهزة. فبالإضافة لما كان المستشرقون قد أعدوه من اكتشافات للعالم العربي في القرنين السابع والثامن عشر، رافق حملة نابليون جيش من العلماء الذين انكبّوا على دراسة ما وجدوا في مصر وكذلك ما حولها. وهكذا كان حال باقي الحملات العسكرية. كذلك طور الغرب خططه لحكم العالم العربي بشكل تدريجي وبراغماتي، ولكن غير خال من النظرة الاستراتيجية البعيدة المدى.
لقد أفضت الحرب العالمية الأولى في نهايتها لنشوء عصبة الأمم المتحدة والكثير من المفاهيم المعاصرة مثل حق تقرير المصير للشعوب واكتمال هيكل القانون الدولي. وكان مفهوم السيادة الكيانية الذي تكرس في القرن السابع عشر (معاهدة وستفاليا 1648) مثالياً لوضع الغرب خططه لهيكلة النظام السياسي العربي أو الكيانات السياسية العربية. فكان الاعتبار الأول في تشكيل هذا الهيكل هو إبقاء الكيانات العربية ضعيفة ومنفصلة عن بعضها بحدود دولية سياسية وأمنية واقتصادية، ومن خلال أنظمة حكم تابعة وفاسدة وقمعية. وهكذا تمتعت هذه الكيانات بالسيادة القانونية أو الشكلية بينما بقيت في واقع الحال بمثابة مستعمرات للدول الغربية والتي آلت جميعها في النهاية لسيطرة الولايات المتحدة. أما من رفض هذه السيطرة فقد تم حصاره تمهيداً لاحتلاله أو فض وحدته كما حصل للجمهورية العربية المتحدة عام 1961. وقد أدى هذا المعيار لتفتيت الأوطان العربية ما رفع عدد الدول العربية إلى 22. ولكن الإنفجار والتطور السكاني العربي وتنامي موارد الدول العربية بسبب اكتشاف النفط فاجأ الغرب في تنامي قدرات بعض الدول العربية وطموحات حكامها. فاضطر الغرب إلى استعمال القوة العسكرية لترويض هذه البلدان. فكانت حروب واحتلال 1967 لأربع دول، واحتلال العراق عام 2003، وكذلك سوريا عام 2011، بالإضافة لمحاولات فاشلة كحرب السويس عام 1956، وحرب لبنان عام 2006، وتحرير الكويت عام 1991.
وكانت حملات الاستشراق قد كشفت للمخطط الإستراتيجي الغربي خصائص تكوين المجتمعات العربية وخاصة دور الأديان والمذاهب والقبائل والأثنيات في عصبية سكان البلاد العربية وإدارة شؤونهم. فظهرت المجتمعات العربية مكشوفة وسهلة الإختراق بهدف تأجيج النعرات والخصومات ما يبقيها جميعاً ضعيفة ومعتمدة على الخارج. وقد شمل النظام السياسي العربي الذي أقامه الغرب الكيانات الدولية وحدودها وأنظمة حكمها واقتصاداتها ما أدى إلى تحديد النخب المؤثرة وربط أصحاب المصالح المنتفعين والتي تعتمد مصالحهم على الحكم. وتشمل هذه المصالح الصبغة المادية والنفوذ والمواقع الاجتماعية ما شكل طبقة من نخب المال متشاركة ومتداخلة مع نخب المجتمع والحكم الاستعماري وداعمة له.
وعلى خلفية حراك الشعوب المستعمرة في كافة ارجاء المعمورة والمطالبة بالإستقلال، والذي كانت الشعوب العربية جزءاً منه منذ القرن التاسع عشر والذي توجته الحرب العالمية الثانية من خلال انهاك الدول الاستعمارية عسكرياً واقتصادياً، حققت الكيانات العربية استقلالها السياسي وحصلت على السيادة القانونية وعضوية الأمم المتحدة. ولكن بالرغم من إخلاء القواعد العسكرية الأجنبية حيثما وجدت في الدول العربية وكذلك المستوطنين فقد بقيت معظم هذه الدول متقبلة لعودة القواعد والسيطرة الأمريكية وخاضعة لطلباتها. وكانت هذه الحال نتيجة استعمال الولايات المتحدة الأساليب الناعمة مثل الدعم الاقتصادي والحضور المخابراتي الفاعل والضغوطات الدبلوماسية والإعلامية ولكن دون التدخل المباشر والظاهر في إدارة هذه الدول. وقد تحقق ذلك على خلفية ثقافة الهزيمة التي اتسمت بها كثير من الأنظمة العربية ونخبها الإدارية والمالية والإعلامية وحتى العسكرية. وقد كان من نتائج هذا الإستمرار في السيطرة الغربية ان الدول العربية بعد مرحلة الإستقلال والناصرية اعتمدت العقيدة الاقتصادية الأمريكية في المنافسة الحرة والعولمة والخصخصة وتوصيات وقروض صندوق النقد والبنك الدوليين. وقد كانت النتيجة العملية لذلك تعزيز وتعميق ارتباط الاقتصاد العربي باقتصاد أوروبا وأمريكا خاصة مع رواج العولمة على حساب الأمن الاقتصادي الوطني.
كما استطاعت الولايات المتحدة ان تفرض على معظم الدول العربية اعتماد مناهج تعليمية معدة في مؤسسات امريكية متخصصة تهدف إلى إضعاف الهوية والعصبية القومية من خلال مواد اللغة والتاريخ والأدب، وهي كذلك تهدف إلى التعظيم من صورة القدرات الأمريكية وكذلك الإسرائيلية والانبهار بهما بحيث لا يفكر المواطن العربي بمقاومة هذا الاستعمار الثقافي الجديد، وبذلك يؤسس لثقافة الهزيمة.
ولكن مرحلة الاستعمار الأوروبي المباشر أدت أيضاً إلى العديد من التحولات ذات الأبعاد الطويلة المدى في تأثيرها. فقد اعتمدت الإدارات الحكومية في البلاد العربية مناهج ربط البلاد بحكم مركزي يتجاوز المجال الأمني ليغطي مجال الخدمات مثل التعليم والصحة والمواصلات وكذلك الاتصالات والمنافع العامة كالكهرباء والمياه. وقد تطلب ذلك بناء كوادر حكومية كبيرة شكلت أداة فاعلة في السيطرة على المجتمع. وقد بدأت هذه الإدارات ببناء قواعد ضريبية عريضة لتمويل هذه الخدمات وإن كانت لم تنميها بأي حماس أو حيوية لأنها لم تكن ذات طبيعة وطنية وغيرمعنية حقيقة بمصلحة الشعوب التي حكمتها. فقد كانت أولويات المستعمر خدمة حاجاته وخاصة الاستراتيجية والاقتصادية بشكل خاص.
4-                       الاقتصاد العربي
تشكل الاقتصاد العربي الراهن عبر القرنين الماضيين من استحقاقات عدة عوامل رئيسة. وكان أهم هذه العوامل النمو العالي للسكان الذي تزامن مع النزوح من الريف والصحراء إلى المدن خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين. ثم جاء متزامناً كذلك مع اكتشاف بعض الموارد الطبيعية الهامة جداً اقتصادياً واستراتيجياً مثل النفط وريعه المنهوب. ورافق ذلك محدودية المياه، وأهمية مواقعهما الجغرافية العشوائية، والاحتلال والسيطرة الغربية وأنظمة الحكم التابعة والمستأثرة والقمعية والفاسدة كثيراً والفاشلة في التنمية. وزاد في التشوه العقيدة الاقتصادية الرأسمالية والمشاركة بين نخب المال والحكم، وتفتت الأمة العربية والأوطان التاريخية إلى الكيانات العديدة وأخيراً العولمة. وبالمجمل انتقل الاقتصاد العربي في القرنين الماضيين ونتيجة كل هذه العوامل من العدم إلى الحضور الكبير ولكن المليء بالتشوهات الطاغية.
كانت استحقاقات هذه العوامل كثيرة وكبيرة ومتداخلة. فقد شمل استحقاق الانفجار السكاني والنزوح إلى المدن تعاظم عبء مواكبة البنية التحتية مع خدماتها. وقد شمل ذلك بناء الشوارع وتمديدات المياه والكهرباء والهاتف والمجاري وجمع النفايات والمواصلات والأمن والمدارس والمستشفيات وكذلك المساكن ومعونات الفقر والبطالة والشيخوخة. ولكن الدول العربية كافة بما فيها الثرية منها، سجلت فشلاً كبيراً في التنمية المتوازنة والمستدامة. فهي جميعاً تعج بالمدن العشوائية والبطالة والأمية والفقر الشديد.
وفي مجال الموارد الطبيعية كان الأهم حتى الآن النفط والغاز وربما أيضاً الموارد غير المكتشفة. أما النفط والغاز فكانا ضحية النهب المطلق من قبل الشركات المدعومة من حكوماتها في الغرب وكذلك التبذير من قبل الحكومات العربية المنتجة له، والسرقة والفساد وعمولات شراء الأسلحة الكاذبة. وقد شكل النفط والغاز العربيين المصدر الرئيس لثروات القطاع الخاص الريعية التي لم تستوعبها الاقتصادات المحلية فهاجرت إلى الغرب بقيمة تقارب عدة ترليونات من الدولارات. كذلك شوهت الدول النفطية العربية سوق العمل بشكل صارخ. فبينما تشكو البلاد العربية من عشرات ملايين العاطلين عن العمل تستورد بلدان النفط الخليجية حوالي عشرين مليون عامل وافد وخاصة من آسيا.
يتراوح مناخ البلاد العربية بين معتدل وحار. وقد أصبح ذلك في القرنين الماضيين مكسباً تجارياً في مجال السياحة وتوليد الطاقة الشمسية. ولكن الأخيرة ما زالت وعداً في المستقبل بسبب فشل أنظمة الحكم العربية في التنمية الاقتصادية. وفي مجال المياه العذبة للاستهلاك البشري والزراعة أدى تزايد سكان البلاد العربية وجوارها إلى تعاظم النقص فيها. وقد فرض ذلك الكثير من الكلفة في تحلية مياه البحر خاصة في الخليج العربي، وإلى البحث عن المياه الجوفية الذي ما زال قاصراً عن تلبية الحاجة. أما الأنهار العربية فإن معظمها ينبع في بلاد الجوار ما يجعل البلاد العربية عرضة للابتزاز نظراً لضعفها. وينسحب ذلك الضعف والفشل على الممرات البحرية الاستراتيجية والحيوية والسواحل القياسية في طولها. وقد تحلت الطبيعة العربية منذ الأزل بكثرة الصحاري التي ما زالت تنتظر الإصلاح والتعمير والتنمية.
كانت سيئات النفط العربي أكبر من فوائده خاصة بسبب تكالب الغرب للسيطرة على العالم العربي بأي ثمن وذلك من خلال الأنظمة الخانعة له. وساهم في ذلك أيضاً توفير النفط للموارد المالية التي غذت الفساد وأنظمة الحكم المتميزة بالكثير من الأمراض والنواقص واتساع الفجوة بين الأنظمة والشعوب. أما الاحتلال الغربي فقد خلف الكيانات السيادية ما أدى إلى فقدان الوحدة السياسية والاقتصادية العربية بعدما كانت موحدة في الدولة العثمانية. وبذلك فقدت البلاد العربية شرطاً حيوياً للتنمية. كذلك فرضت الولايات المتحدة العقيدة الرأسمالية المنفلتة على الدول العربية والتي ثبت فشلها العميق اقتصادياً واجتماعياً من خلال تعاظم وتعميق الطبقية والتي أدت إلى الأزمة المحلية والدولية الراهنة.
ومن أكثر السياسات الطبقية فاعلية في العالم العربي كانت وما زالت الأنظمة الضريبية غير المباشرة التي يتحملها الفقراء وعامة الناس. فالأرباح الجارية والرأسمالية معفية من الضرائب عملياً في العالم العربي. وقد ذهبت الأنظمة العربية إلى ما هو ابعد من ذلك من خلال تطوير البنية التحتية التي رفعت اسعار العقارات المملوكة من قبل الأفراد حوالي الف ضعف خلال القرن الماضي. وقد ذهبت فوائد هذا الإرتفاع الفلكي للمالكين دون أية ضرائب أو مشاركة في كلفة الخدمات التي ادت إلى هذا الإرتفاع، وقد أدى ذلك إلى تعاظم التفاوت الطبقي.
أما الفساد وهو الوصف المخفف للسرقة، فقد خلق الثراء الريعي أو غير المنتج ما أدى إلى هروبه للايداع في الغرب وحرمان العالم العربي من الاستثمار الذي تموله هذه الثروات. وتعود هذه الهجرة للأموال إلى عدم تأهل مالكيها للاستثمار الذي يحتاج إلى كفاءة إدارية وخبرة عملية. أما في الغرب فهي توظف في الودائع والأسهم والعقار بعيداً عن عملية الإنتاج والتكنولوجيا وذلك بحجة الاستقرار الاقتصادي. كذلك خلق الفساد طبقة متحررة من أية قيم وطنية أو قومية أو اجتماعية وانسانية ما دفعها لان تصبح شريكاً مثالياً لأنظمة الحكم التي تتسم بهذه الصفات. وكانت محصلة كل ذلك فشل التنمية ما فاقم البطالة والفقر وفقدان الأمن الغذائي وهجرة العقول للإقتصادات الأخرى.
وكان معظم العالم العربي في حقبة المشروع القومي بقيادة مصر الناصرية في منتصف القرن العشرين قد اعتمد الإشتراكية بدوافع سياسية وانسانية أكثر مما هي إنمائية. فقد نجح ولو لحين في الحد من الطبقة الثرية ودورها المركزي. ولكن سرعان ما اكتشفت أنظمة الحكم العربي جميعها الثورية القومية وكذلك النفطية التابعة بأن نظام القطاع العام يوفر أداة مثالية في ضبط المجتمع والسيطرة عليه. ثم عادت بعد ذلك وانتعشت الرأسمالية من خلال عودة الفساد ثم الانفتاح والعولمة ونظام الحوافز الرأسمالية. وهكذا حولت أنظمة الحكم العربي ذات الطبيعة الموصوفة أعلاه الإشتراكية إلى فشل اقتصادي ونجاح أمني. فلم تتخلص من القطاع العام لصالح عصابات القطاع الخاص إلا ببطء شديد، وما زال القطاع العام يتمتع بحصة الأسد في الكثير من الدول العربية النفطية وغير النفطية.
شهد الاقتصاد العربي تحولات كبيرة في القرنين الماضيين تزداد أهمية باستمرار في آثارها الاجتماعية والثقافية والسياسية. وقد تركزت معظم هذه التحولات في النصف الثاني من القرن العشرين وهي فترة الإيرادات النفطية والاستقلال السياسي والانفجار السكاني والتحول إلى المدن ومرحلة التجربة الاشتراكية. وكان من أهم هذه التحولات أيضاً التراجع الشديد والمستمر في الأهمية النسبية للقطاع الزراعي رغم أن نسبته في مجموع العمالة تبقى أعلى من نسبته في الناتج المحلي. وبذلك فإن الاقتصاد العربي لم يختلف في هذا التوجه عن سائر الاقتصادات في العالم. وهو في منتصف الطريق بين ما تحقق في الغرب حيث تراجع قطاع الزراعة إلى حوالي 3-10 بالمائة وبين اقتصادات في آسيا وأفريقيا حيث ما زال هو الطاغي.
ويأتي ربما في المرتبة الثانية من الأهمية تعاظم دور وحجم القطاع العام أو اقتصاد الدولة. ويشمل هذا القطاع الإدارة المركزية والمحلية والأمن والدفاع، كما يشمل الخدمات الاجتماعية وخاصة التعليم والصحة وكذلك المنافع العامة من كهرباء ومياه واتصالات ومواصلات. وهنالك ما تبقى في القطاع العام رغم الخصخصة العارمة في قطاعات الصناعة والمناجم والمرافق السياحية والمصارف وغير ذلك.
ثم يأتي بشكل بارز من حيث الإيرادات والريع قطاع الطاقة الذي يتفوق في حجمه على كافة الاقتصادات العربية رغم صغر حجم العمالة فيه. ولكنه اقتصاد ريعي يعمل فيه القلة من الموظفين. وقد تم التعرض له سابقاً.
ثم يأتي بعد ذلك في الأهمية قطاع الخدمات ومنها التجارة والتوزيع والمهن والحرف وكذلك قطاع الصناعة والبناء. وأخيراً هنالك تنامي البطالة العظيم في حجمه خاصة إذا أضيف له النساء غير المشاركات في الاقتصاد والملتزمات البقاء في المنازل بالنظر للثقافة والعادات والتقاليد وضعف المهارات المكتسبة.
5-                       المجتمع والثقافة
كان معدل المواطن العربي قبل قرنين يعيش حياة هادئة في إطار العشيرة والمذهب والحقل والبادية والعائلة الممتدة. وكان يعيش في سقف متدن من الوعي بسبب الجهل، وفي عصبية مذهبية وعشائرية كامنة وغير مفعلة بعيداً عن أصحاب الانتماءات الأخرى في قرى أو بلاد بعيدة. فكان الهم الأساسي تدبر أسباب الحياة ولكن في تسليم وقناعة ورضا.
لقد غير القرنان الماضيان معظم هذه الصورة. فزال الجهل بسبب تعلم الغالبية، وارتفع سقف الوعي بالهوية والحقوق وبالآخر. فتفعلت العصبيات والطموحات والتي استفزها الاحتلال الأجنبي، وقامت المدن حيث العشائر والأديان والمذاهب الأخرى فازداد الاحتكاك والتفاعل.
وتقلصت العائلة حيث أصبحت نووية، وتراجع الإنجاب، وارتفع سن الزواج ومعدلات العزوبية، وازداد تدبر أسباب الحياة صعوبة، وازدادت مع ذلك الجريمة والانحراف.
وتعززت الهوية والروابط الوطنية والوعي بالكرامة والإصرار على حمايتها. وامتدت هذه الانتماءات فولدت الطموحات القومية من ثراء الذاكرة بعظمة الماضي والحاضر الواعد.
وقامت الدولة المعاصرة والواسعة الحضور فتقلص دور العشيرة العنيدة. واتجه الناس إلى أشكال الحياة الوافدة من الخارج فتراجع الدين. وبعد هزيمة القرن العشرين في عام 1967 وانحسار المشروع القومي استفاقت الهوية الدينية وازداد الاعتناء بالشعائر والمناسبات الدينية وحصار المرأة والتعابير السلفية بالصوت الجهور وبالمظاهر. ولكنها لم تمس قدسية المال والسلطة ولم تعتن بالكرامة والأداء والعدالة والنزاهة والكفاءة.
ويسود حال المجتمع العربي وثقافته راهناً التفتت والتباين في كيانات سياسية منفصلة عن بعضها ما أضعف التواصل ووحدة المسار واستحقاقاتهما، وذلك انتقالاً من حاله قبل قرنين الذي اتسم في حينه بالوحدة والتخلف العام والبدائية. وفي هذا التحول التاريخي في اوضاع المجتمع العربي تنازعته قوة الدفع الخفية للنهوض من جهة، ولكن الظاهرة في نتائجها وخاصة الإنفجار السكاني وقوى التشويه لمسار هذا الدفع المجتمعي من جهة أخرى. وقد تمت الإشارة سابقاً إلى معظم هذه القوى والمتمثلة بالمجمل بالاحتلال والسيطرة الغربية.
وكانت اهم المحطات التي ساهمت في تكوين المجتمع العربي الحديث ثقافة الإصلاحات العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر، والتي سبقتها اصلاحات محمد علي في مصر، وكذلك الاحتلال والإستيطان الغربي والإحتكاك الاجتماعي المفروض معه على كافة المستويات. وقد شكلت هذه الإصلاحات أو التنظيمات وعلى رأسها إلغاء الجزية على المسيحيين إعادة دمج كافة المواطنين في الدولة والمجتمع. ولكن صاحب هذه الآثار غرس ثقافة اليأس لدى غالبية المواطنين العرب في مواجهة الجبروت الغربي وتفوقه في كافة مجالات الحياة. وقد أسس ذلك لثقافة الهزيمة بين شرائح واسعة في الوطن العربي وعلى رأسها النخب العربية في الحكم والمال والمجتمع.
وفي القرن العشرين قامت الكيانات العربية الجديدة وحدودها الفاصلة والمستحدثة. وقد رافق ذلك قيام الإدارة المركزية في هذه الكيانات وخاصة الأمنية والإدارية والخدماتية واستحقاقاتها الإدارية والاقتصادية والاجتماعية، وكذلك التعاظم المتسارع لحجم القيود والأنظمة المفروضة على المواطن. وقد تباينت المجتمعات العربية المختلفة في هذه المجالات بشكل واسع كما في الأمية التي تتراوح بين 5 و 70 بالمئة في البلاد العربية المختلفة.
وفي النصف الثاني من القرن العشرين تعاظمت الهجرة من البادية والريف إلى المدن مع الإستحقاقات الاجتماعية والثقافية الكبيرة لذلك. وقد ارتبط هذا التحول مع تراجع دور الزراعة في الاقتصاد والمجتمع العربي لصالح القطاعات الاقتصادية الأكثر حداثة. وقد رافق الهجرة للمدن هجرة اخرى هامة إلى خارج العالم العربي في الأمريكتين وجنوب شرق اسيا وشرق أفريقيا والتي بلغت الآن حوالي 100 مليون أو حوالي 25%  من سكان العالم العربي. وتعود أهمية هذه الهجرة إلى استمرار تواصل العائلات والتحويلات المالية. وتجدر الإشارة إلى أن المكون المسيحي وصل إلى حوالي نصف هذا العدد المهاجر ما أدى إلى انخفاض عدد المسيحيين العرب المتبقين إلى حوالي 12-13 مليون. وقد كان ذلك بالرغم من الغاء الدولة العثمانية حال الذمة القانوني الذي كان يضع المسيحيين في رتبة ادنى من اشقائهم المسلمين في التطبيق الفعلي. وبذلك فقد المسيحيون العرب الذين يتركزون في مصر والهلال الخصيب ثلاثة أرباع أعدادهم كما كانوا في نهايات الدولة العثمانية.
اما فشل الحكومات العربية في القرن العشرين في التنمية الاقتصادية ورعاية المجتمع بسبب انشغالهم بالأمن وشروط وصول نخب الحكم والمال إلى مواقع صنع القرار واساءة توظيفه، فقد انعكس في تصدع المجتمع العربي وتخلفه. فهنالك الآن نسب مرتفعة ومتزايدة أحياناً كما في مصر من الأمية والبطالة التي تصل في الحالتين إلى الثلث دون احتساب المرأة التي لا تسعى عادة للعمل بسبب يأسها من الحصول عليه أو بسبب شروطه الصعبة أو نتيجة ثقافتها وثقافة من يحيط بها غير المتعاطف لعملها خارج المنزل. وهنالك الفقر الذي يفوق نسبة البطالة اذا تم استعمال التعريف الأصح لقياسه.
وفي مجال اللغة والثقافة واحياء التراث استمرت مسيرة الإنعاش والتطور والإبداع، رغم عدم شمولها كافة شرائح المجتمع، في إغناء الهوية العربية وتعزيز وحدتها حتى الآن. ولكن بالموازي خضع المجتمع العربي من خلال الإستعمار والإستيطان والتفوق الغربي الظاهر والعولمة إلى غزو ثقافي ولغوي أوروبي هادف احتل مساحات واسعة من شرائح المثقفين وحتى الطبقات العمالية في المدن. وقد ساعد هذا الغزو ضعف قطاع التعليم خاصة في حقل اللغة والأداب العربية. وقد أدى هذا الحال في مراحل مبكرة لتعاظم العامية على الفصحى وترشيحها للكتابة والتواصل الإلكتروني.
وقد رافق التطور الإلكتروني الحديث بدء كتابة العربية وخاصة العامية بالاحرف اللاتينية تطبيقاَ لمقترحات قديمة وخلافية كثيراً. وقد وصل هذا التراجع اللغوي إلى التخلي شبه العام عن التزام القواعد والنحو العربي بما في ذلك شرائح المتعلمين كالمحامين ورجال الدين رغم أن النحو مفتاح تفسير النصوص. وكذلك الحال مع الساسة والإعلاميين. وبدأت تعلو صرخات من التحذير من الأخطار التي تواجه اللغة العربية. ويتشكل الخطر الأكبر والبعيد نسبياً من هذه التطورات في المزيد من التباعد بين لهجات المجتمعات العربية المختلفة، وصعوبة التخاطب بينها، واثر ذلك على الهوية الواحدة وترابط ابنائها وعصبيتهم.
ويزيد في التفتت والتباعد الثقافي والاجتماعي التباين بين التقليديين والسلفيين من جهة، وبين المتغربين والحداثيين من جهة أخرى. ويمتد هذا التباين على مساحة واسعة من الأنماط الحياتية التي تشمل الاستهلاك واللباس والطعام والفنون والآداب والترفيه والاختلاط الاجتماعي الذي يتماهى مع الغرب من باب الانبهار به وصولاً إلى الفكر السياسي والاقتصادي المتمثل بالليبرالية في السياسة أو الحريات السياسية والاجتماعية والديمقراطية والمتمثل كذلك في اقتصاد السوق أو الرأسمالية. وفي المقابل هنالك من يحرص على الهوية والتراث والدين فيتمسك بكل أشكال السلفية وخاصة الشعائر الدينية والعادات والتقاليد والقيم الموروثة وخاصة الشريعة الإسلامية والمؤسسات العشائرية. وهكذا فالتباين هو خيار الرهان على الهوية الموروثة كما كانت قبل أكثر من ألف عام والاحتماء بها لصد هجوم الغرب على العالم العربي، أو اعتماد المعاصرة والحداثة لتوليد طاقات وقدرات جديدة لتكون ندية للغرب، وتحمي الهوية العربية الإسلامية المتجددة.
وهنالك التفتت بين الأديان والمذاهب وقرب بعضها من السلطة على حساب البعض الآخر والذي كذلك يغذي الفوضى الاجتماعية والثقافية التي يعيشها المجتمع العربي. إن هذا التفتت الديني والمذهبي يشكل تركة تاريخية عريقة تنامت عبر أربعة عشر قرناً. وقد اختلج هذه المسيرة الطويلة الكثير من الأساطير غير المسندة ما أثرى مشاعر الحقد والكراهية والخوف والاحتقار المتبادل والموروث. وهذا لا يليق بالمواطن الذي يطمح لبناء وطن مدني حديث يجمع كافة الأصول والمنابت والمذاهب. فهذه المشاعر لا تسمح لبناء الثقة المتبادلة أساساً للتعاون في بناء المشاريع والمؤسسات الوطنية. وعلى هذه الخلفية يوفر هذا التفتت أرضاً خصبة للاختراق الخارجي الذي لا يخفي الكثير من العدوان نحو الأمة والأجندات الذاتية الطامعة. وتشمل هذه الأجندات إضعاف الوطن العربي تمكيناً للسيطرة عليه واستغلاله وذلك من خلال إيقاظ الفتنة المذهبية الدفينة وتوظيف شعارات أخرى خبيثة وكاذبة مثل تحقيق الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان بينما الغرب يتسابق في انتهاكها جميعاً حتى في بلاده عندما يحتاج.
وفي الأصول التاريخية لتركة العصبيات الدينية والمذاهب اختلاطها العميق بالسلطة والحكم، والتي كان هدف الوصول إليها هو مبعث معظم هذه الفرق والمذاهب. فأصحاب هذه الأديان والمذاهب المختلفة مارسوا الاضطهاد والإذلال للآخر وإقصائه وإنكار إنسانيته إبان توليهم السلطة والحكم، وأمعن الغرباء منهم من سلاجقة ومماليك وعثمانيين في التمييز الديني باضطهاد المسيحيين تقرباً من المسلمين العرب وسعياً لتحقيق الشرعية للحكم. أما العرب المسلمون فقد بادلوهم بالتملق طمعاً بشيء من العدالة والمساواة التي ينادي بها الإسلام. بينما راح المسيحيون العرب يرفعون شعار الرابطة القومية مع أشقائهم العرب المسلمين تمايزاً عن الحكام غير العرب وخاصة في حقبة حكم العثمانيين.
أما إصلاحات محمد علي في مصر والتي تجاوز فيها اسطنبول، فإن طموحه في رفع شأن مصر قد دفعه لمصالحة الأقباط في مساواتهم بالمواطنة والحقوق ما أدى إلى تحسن شأنهم وتحقيق المشاركة والوحدة الوطنية. وربما أنه كان يمارس استحقاقات العلمانية دون إعلانها متأثراً ببعثاته العديدة إلى أوروبا.
لقد لعب الإحتلال المباشر ومن ثم سيطرة الغرب غير الظاهرة بوضوح دوراً هاماً في هذا التفتت الإجتماعي والثقافي وخاصة في هزيمة المشروع القومي والوطني. وقد أدى ذلك أيضاً إلى ضعف منظمات المجتمع المدني بسبب ضيق هامش الحريات الناجم عن تسلط الأجهزة الأمنية بينما يغزو الغرب العالم العربي استخباراتياً وتوظيفاً لهذه المنظمات. وقد تحقق ذلك بواسطة التأثير في مناهج التعليم بذريعة تقديم المعونة للدول العربية، وذلك بالإضافة لدور الإعلام الموجه بخبث.
ونتيجة لكل هذه العلل والأمراض الاجتماعية الثقافية نشأ فاصل وجدار كبير بين النخب وعامة الشعب. وحيث حافظ الشعب على أصالته خاصة في حراكة الجماعي كما هو مشهود، فإن النخب العربية في الحكم وفي المجتمع سارت نحو التحرر من القيم الأصيلة. فمارست الفساد كسلوك اكتسب الشرعية من خلال استشرائه، كما تغاضت عن الاستحقاقات الوطنية في التعامل مع الغرب، واعتمدت ممارسات اجتماعية ابعدتها عن الشخصية والهوية الثقافية العربية. ولكن في الحقبة القصيرة التي مرت على الأمة العربية في ظل المشروع القومي الناصري ظهرت آثار المشروع الإيجابية على القيم والسلوك العام بما فيه النخب.
أما القبيلة كمؤسسة عريقة فلا شك انها تراجعت بعض الشيء وفقدت الكثير من وظائفها رغم دعم الكثير من الأنظمة العربية لها. غير ان التقصير والفشل الكبير في اداء أنظمة الحكم العربية تركت لها مجالاً ودوراً في خدمة ابنائها، ما يعود بدوره ويساهم في تفتت المجتمعات العربية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العقيد معمر القذافي - بداية و نهاية - حكم ليبيا 41 سنة فماذا تبقى للشعب الليبي ؟

؟

The International Day Of Teachers In Jordan=The day Of Teachers' Humiliation